
لم يكد لبنان، الذي ولد من رحم التاريخ، هذا الكيان الفريد المؤلف من مجموعات دينية ومذهبية وعدد كبير من التيارات والاتجاهات والولاءات المختلفة، يخرج مثخناً بالجراح العميقة وسياسة التجويع والإبادة من دهاليز أربعمئة سنة ونيف من الحكم العثماني، بدءا بإعلان لبنان الكبير، والجمهورية اللبنانية، وكتابة الدستور، وابتكار الميثاق الوطني، وتحقيق الاستقلال التام بعد جلاء آخر جندي أجنبي عن أراضيه في العام 1946، حتى حلت نكبة فلسطين العام 1948، وراح اللاجئون يتدفقون إليه عبر معابره البرية والبحرية بالآلاف، فكانت بداية ولوج الوطن الصغير إلى قدره المظلم، وإلى تدخلات الإقليم في شؤونه وخصوصياته لزعزعة استقراره، والتآمر عليه، والتضحية به على مذبح حل الأزمة الناشئة بين العرب وإسرائيل. دخل الفلسطينيون في تناقضات وزواريب اللعبة اللبنانية، مربكين الوضع الداخلي، جاذبين إليهم كل من أراد الانتقام من هذا الأنموذج الحر، إما لتغيير التوازنات الهشة فيه، وإما لإخضاعه وضمه الى محور الأحزاب اليسارية والعدمية والهامشية والمنظمات التي التحقت بالعامل الفلسطيني، أملاً منها بتغيير كيان الوطن، فانقسم اللبنانيون على مفاهيم وفكرة الوطن الحر، أو مشروع التبعية لدول تريد إنهاكه وإخضاعه وتفتيته وضمه.
فمن جمال عبد الناصر إلى ياسر عرفات وحافظ الأسد إلى أئمة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أخذ لبنان ينتقل من حينه، متدحرجاً إلى حضيض الدول، ينزف اقتصاده وآماله وشبابه، وتتقاذفه الوحوش من دون رحمة… فكانت المقاومة اللبنانية بالمرصاد تمتشق ما توفر لها من سلاح دفاعاً عن الكيان، على خطى الأجداد في ملحمة التاريخ، حفاظاً على وديعة الأرض والإيمان، من يوحنا مارون في العام 686 المقاوم الأول، إلى سمير جعجع قائد المقاومة الحالية… مسيرة أمة لم ولن تركع.
كتابة رواية الحرب القائمة على لبنان يستوجب المجلدات، في تسليط الضوء وقوة الفكر وتنبيه ملكة الوجدان، إيقاظاً للذاكرة بالوفاء على هضاب الجلجلة ودرب الشهادة التي سلكتها المقاومة اللبنانية، تلك المقاومة التي قدمت آلاف الشهداء والمصابين، حتى أصبحت كالنبع الفوار المتفجر من أحضان الأمهات، ومن تربة أرضنا المقدسة. تلك المقاومة المعروفة حالياً بالقوات اللبنانية برجالها الصناديد الذي غادر العديد منهم إلى المكان الأفضل لتبقى لنا الكرامة. رجال عاشوا الجوهر ولم يتكلموا عنه. هم الذين نذروا حياتهم للقضية وعرفوا لماذا واجهوا، واستوعبوا أهمية الفداء عندما نخر الرصاص أجسادهم، فغابوا مطمئنين الى أن النصر قادم، والحق عائد، والأمل آت. هم الذين أدركوا أن درب الحرية بالصلب هو درب التضحية والقهر والعرق والدم. هم الذين آمنوا أن درب الألم والالتزام هي درب القيامة والظفر والمجد واستمرارية الجماعة تحت ظلال الأرز.
“من أحب حياته يفقدها” (يوحنا ٢٥/١٢) ما يعني أن حبة الحنطة المحفوظة بكيس ببخل، تتعفن ولا تأتي بثمر، إن لم نضحي بها ونتركها في الأرض لتتحول إلى نبتة. فأمام جلالة وعظمة وتفاني شهداء المقاومة اللبنانية الذين ارتقوا على صليب الحب لنبقى نحن ونستمر، نقف، معاهدين أرواحهم بإكمال المسيرة المقدسة، مستذكرين ما قاله الرب يسوع، “إن ملكوت الله بالحرية يؤخذ بالجهاد، والمجاهدون يختطفونه”. ففي العمق الفلسفي والإيماني، الشهادة في المسيحية وديعة وحياة، والشهادة من أجل القطيع والكيان وردة حمراء تفوح عطراً، وتنزّ دماً، وردة تجسّد إرادة يسوع المعلم والثائر والشهيد الأول في تاريخ العقيدة الخلاصية، الذي بموته وقيامته أعطى للشهادة معنى الحب، هو الذي أرادنا ان نكون على مثاله…