اتهامات نصرالله تنعكس عليه

في الممارسة السياسية اليومية لا ينفكّ حزب الله بقياداته وأعلامه وأبواقه عن إسقاط التهم على خصومه في السياسة، والأنكى بحق شركائه في الوطن من تهم العمالة مروراً بالخيانة والفساد والتبعيّة، وصولاً الى وصم كل من يخالفه الرأي بالعبودية.

في 16/1/2023، قال الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، “نحن سادة لدى الوليّ الفقيه أنتم عبيد لدى أميركا والسعودية”. هذا الموقف هو تكرار لما قاله نصرالله في 24/10/2015، “عند الأميركان وأمراء النفط هناك عبيد، يتعاطون كأسياد مع عبيد، أما نحن في حزب ولاية الفقيه أسياد عند الولي الفقيه”.

أي متتبّع للحزب وأدبياته وخطاباته وممارساته منذ نشأته وحتى اليوم يقع على مواقف صارخة، مناقضة لا بل داحضة لما ذهب إليه أمينه العام، وتؤكد عكس ما يدّعي وما يتهم. في تلمّسنا للخط البياني لمسيرة الحزب في السياسة والعقيدة والممارسة نورد الآتي:

ـ نبدأ من حيث بدأ حزب الولي الفقيه بنشاطه العلني ونقرأ في البيان التأسيسي لحزب الله الذي سُمّي بالرسالة المفتوحة وبعنوان “من نحن وما هي هويتنا؟” وقد تلاه السيّد إبراهيم الأمين السيّد في 16/2/1985 في حسينية الشياح، “إننا أبناء أمة حزب الله، نعتبر أنفسنا جزءاً من أمة الإسلام في العالم… إننا أبناء أمة حزب الله التي نَصَرَ الله طليعتها في إيران وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم. نلتزم أوامر قيادة واحدة حكيمة تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط. كل واحد منا يتولى مهمته في المعركة وفقاً لتكليفه الشرعي في إطار العمل بولاية الفقيه القائد. نحن في لبنان لا نعتبر أنفسنا منفصلين عن الثورة في إيران. نحن نعتبر أنفسنا – وندعو الله أن نصبح – جزءاً من الجيش الذي يرغب في تشكيله الإمام من أجل تحرير القدس الشريف”.

ـ في 24 /4/1987، قال نصرالله عبر مجلة “العهد” – العدد 14، “الفقيه هو ولي الأمر زمن الغيبة، وحدود مسؤوليته أكبر وأخطر من كل الناس، ويفترض فيه، إضافة الى الفقاهة والعدالة والكفاءة، الحضور في الساحة والتصدي لكل أمورها، حتى يعطي توجيهاته للأمة التي تلتزم بتوجيهاته. نحن ملزمون باتباع الولي الفقيه، ولا يجوز مخالفته. فولاية الفقيه كولاية النبي والإمام المعصوم، وولاية النبي والإمام المعصوم واجبة، ولذلك فإن ولاية الفقيه واجبة. والذي يردّ على الولي الفقيه حكمه فإنه يردّ على الله وعلى أهل البيت… فمن أمر الولي الفقيه بلزوم طاعتهم فطاعتهم واجبة”.

ـ في 23/6/1989، قال نصرالله عبر مجلة “العهد”، “دعانا الإمام لإقامة الحكومة الإسلامية في أي بلد نعيش فيه وهذا ما يجب أن نعمل له وأن نفهمه تكليفاً شرعياً واضحاً وأن نعمل في لبنان وفي غير لبنان لأنه خطاب الله منذ أن خلق آدم”.

ـ إذا أردنا أن ننهل من مرجع موثوق ما علينا إلا أن نقرأ عن “السادة والعبيد” في كتاب “حزب الله، المنهج، التجربة، المستقبل” لنائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم:

– الصفحة 25: “القيادة الشرعيّة للولي الفقيه الذي يرسم الخطوط العريضة للعمل في الأمّة، وأمره ونهيه نافذان”.

الصفحة 53: “قرار الجهاد مرتبط بالولي الفقيه، الذي يشخص الحالة التي ينطبق عليها عنوان الجهاد الدفاعي، والذي يحدد قواعد المواجهة وضوابطها… وقد يختلف رأي بعض الفقهاء عن رأي الولي الفقيه، لكن رأيه ملزم لهم، فهو المتصدي والمبايع من قبل الناس… فالقرار يعود إليه وهو ملزم للمسلمين”.

الصفحة 74: “الولي الفقيه هو الذي يملك قرار الحرب أو السلم، ويتحمل مسؤولية أمن الناس وأموالهم وأعراضهم، ويتصرّف بالأموال الشرعيّة ويحدد ضوابط الدولة “.

الصفحة 282: “عندما طُلب من حزب الله أن ينضم الى الانتخابات عام 1992 اجتمع مجلس الشورى ودرس الموضوع… ثم جرى استفتاء سماحة الولي الفقيه الإمام خامنئي حول المشروعية، فأجاز وأيّد”.

الصفحة 290: “اشترك حزب الله في الانتخابات النيابية العام 1992 من أجل تقديم تجربة إسلامية نموذجية في العمل السياسي تواكب الضوابط الشرعية الإسلامية”.

ـ في 26/8/2007، قال نصرالله، “أنا اليوم أعلن وليس جديداً، أنا أفتخر أن أكون فرداً في حزب ولاية الفقيه، الفقيه العادل، الفقيه العالم، الفقيه الحكيم، الفقيه الشجاع، الفقيه الصادق، الفقيه المخلص”، وكرر ذلك في 27/4/2008.

أما عن ثبات “الحزب” واستمراريته في “الالتزام والالتحاق والتبعيّة” المطلقة نتوقف عند محطات دالّة على أن حزب التأسيس والثورة الإسلامية في لبنان لا يزال هو نفسه سواء في “كتلة الوفاء للمقاومة” في مجلس النواب، أو في الحكومة وفي الإدارة العامة وهو نفسه من وقّع ورقة تفاهم مع تيار مسيحي في كنيسة مار مخايل، ونورد الآتي:

ـ في 30/11/2009 ولدى إعلان نصرالله عن الوثيقة السياسية لحزب الله، سأله الصحافي في تلفزيون “المستقبل” شربل عبود، “أريد أن أسال سماحة السيد في 1985 تحدثتم عن قيادة واحدة عادلة وحكيمة هي الولي الفقيه والتزامكم بهذه القيادة. اليوم تتحدثون عن تطور وأيضاً تحول في موضوع الحزب. فكيف توفقون بين بناء الدولة والتزامكم بهذه القيادة؟ وهل أصبح حزب الله حزباً لبنانيا ًبالكامل؟

أجاب نصرالله، “أولاً، نحن قدمنا وثيقة سياسية ولم نعالج الجوانب العقائدية أو الإيديولوجية أو الفكرية، وسأكون صريحاً وواضحاً نحن موقفنا من مسألة ولاية الفقيه هو موقف فكري عقائدي وديني وليس موقفاً سياسياً خاضعاً للمراجعة”.

ـ في كتاب “حزب الله بين 1982 و2016 الثابت والمتغير” للصحافي المقرب من حزب الله قاسم قصير ـ وهو أطروحته التي نال على أساسها الماستر من جامعة اليسوعية ـ يقول قصير في الصفحة 139 ـ 140، “إن مراقبة خطاب وأداء الحزب بين العام 2011 و2016، ولا سيما بعد التطورات في العالم العربي والدور المتزايد لحزب الله خارج لبنان، تؤكد أن حزب الله قد عاد الى روحية الخطاب الذي كان سائداً في مراحل التأسيس الأولى” (…)

التحول والتغيير في خطاب وأداء حزب الله ليصبح حزباً سياسياً يلتزم بشكل كامل بالعملية الديمقراطية وأسس بناء الدولة في لبنان، يستلزم تغييراً حقيقياً في رؤيته الفكرية وعلاقته الاستراتيجية بالجمهورية الإسلامية وبالالتزام بأسس الدولة، وأن يتحول من حزب عقائدي ديني يضم عناصر من اتجاه ديني ومذهبي محدد الى حزب سياسي وطني مفتوح”… ويخلص الكاتب ليقول: “يبدو أن هذا التحول غير ممكن في المرحلة الحالية”.

ـ في 11/11/2013، قال نصرالله، “عندما نأخذ القرار، أو نمشي في أي درب، أو ندخل إلى أي ساحة، أو إلى أي ميدان أو إلى أي قتال، نحن لا نلجأ إلى عقولنا، ولا إلى علومنا ولا إلى مستوانا العلمي، ولا إلى ولا إلى… نحن نلجأ إلى فقهائنا وكبارنا ومراجعنا، الذين هم على أعلى مستوى من الفقاهة والعلم والاجتهاد والتقوى والورع والأمانة والوعي أيضاً”.

ـ في 13/3/2018، نقل موقع “فردا نيوز” الإيراني عن حسن نصرالله قوله أمام الإيرانيين المقيمين في لبنان، “إن مكانة ولاية الفقيه فوق الدستور اللبناني، ونحن نؤمن بذلك، ونعتبر تنفيذ أوامر ولي الفقيه واجباً إجبارياً”.

في الخلاصة، حاول نصرالله في حديثه عن “العبيد” التصويب على “أحد أركان السياديين”، على حد تسمية نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في آخر تغريدة له، وتعتبر هذه التسمية خير رد على نصرالله نفسه خصوصاً أنها أتت من قاسم الضليع في اللغة العربية.

أمّا بعد، فإن التصويب على اتهامات العبودية يحتاج الى عشرات الصفحات بالأدلة والوقائع.

خبر عاجل