#dfp #adsense

حزب بأوراق كثيرة

حجم الخط

يُشبه البنيان العسكري والتنظيمي الذي اقامه حزب الله، ويحميه بالدعاية والعمليات النفسية لتضخيمه وتعظيمه والاطلالة به على اللبنانيين، بناءٍ شيّده صاحبه من أوراق اللعب، ومع ذلك يريد ايهام الآخرين بأنه صلب وصخري ومتين، لا اوهن من بيت العنكبوت.

فحجم الوقت، والدقة، والتركيز، والجهد، الذي استلزمه لتصفيف الأوراق، الواحدة تلو الواحدة، والواحدة فوق الأخرى، هو نفسه حجم الضغط النفسي، والقلق، والتوتر والارهاق الذي يشعر به مع هبوب أدنى نسمة، او كل زفيرٍ وشهيق، قد يطيح بكل جهوده المُضنية، ويفضح كل ما حاول اخفائه على مدار سنين، في اقل من ثانية.

لو كانت الصورة الخارجية البرّاقة لحزب الله التي يحرص على تلميعها وصونها لإخافة الغير والتلاعب بعقول المساكين، تُشبه بالفعل حقيقته الداخلية، لما كان يشعر بهذا التوتر والغضب، بمناسبة، ومن دون مناسبة، ولما كان حساساً كثيراً، ويشعر بالاستفزاز الى هذه الدرجة.

الواثق حقيقةً بقوته يشعر بالراحة النفسية والاسترخاء، امّا منتحل صفة القوة والثقة بالنفس، فهو متوجّس، قلق، متشكك بكل شيء، متأهب لردة الفعل، متمسّك بالسلاح، رغماً عن ارادة القوانين، والطبيعة، والمنطق، والعقل.

كلما كانت مقوّمات الثقة بالنفس، لدى فردٍ او جماعة، قائمة على مرتكزاتٍ داخلية صلبة وحقيقية، كلما كانوا أكثر استرخاءً، وأكثر ديمقراطيةً، وانفتاحاً، وتسامحاً، وتقبّلاً للنقد.

فالنقد البنّاء يُواجَه إما بالتصحيح او بالتصويب، والنقد الهدّام لا يُواجه بالانتقام، بل بمزيدٍ من التماسك والاتزان ومعرفة قيمة الذات مقارنةً بقيمة “الهدّام”، والقلم يواجه بالقلم، والموقف بالموقف، والفكر بالفكر، والحجّة بالحجّة، والمقال بالمقال، وصولاً الى مواجهة الرصاصة لا بالمثل، بل بالكلمة، والتفجير بالموقف الصلب والكلام…

امّا إذا كانت هذه الثقة غير مبنية على اسس حقيقية، ومجرّد قناعٍ ظاهري لإخفاء ضعفٍ او هشاشةٍ او اختلال، عندها تكون الذات قلقة، وخائفة، ومتشككة باستمرار، ويُصبح ادنى انتقادٍ لها بمثابة خطرٍ مباشر يتهدد هذا القناع. وفي هذه الحالة، يُواجَه الانتقاد بالاغتيال، وأتفه سكاتش كوميدي بقنبلة ورصاص، وابسط كاريكاتور بحرقٍ وتكسير وعصيان، وهذا أكبر دليل ضعف لا دليل قوة.

يكفي ان يتتبّع المرء ردّة فعل حزب الله على كاريكاتور شربل خليل سابقاً، وعلى التجمعات المدنية السلمية لثوار 17 تشرين مثلاً، وعلى انتقاد لقمان سليم له، وعلى السكاتش الكوميدي في “نيو تي في”، ولاحقاً “ال بي سي”، حتى يُدرك حجم التوتّر والقلق والخوف الذي يشعر به من الداخل، بما يتناقض كلياً مع مظهر القوة والجبروت الخارجي، الذي يريد ايهام الناس به، للتلاعب بعقولهم والسيطرة عليهم، لتحقيق مكاسب بالخديعة والتأثيرات البصرية والاحتيال وصولاً للاغتيال، يعجز عن تحقيقها بالطرق السلمية، والديموقراطية السليمة، والحقيقة والكلمة والاقناع.

السهر المتواصل على صون البنيان الورقي من الانهيار، يؤدي الى اليقظة والحذر والقلق وصولاً الى الارهاق، والارهاق يؤدي الى التوتر، والتوتر الى العصبية، والعصبية الى الهجومية والعدائية والصراخ، والعدائية تؤدي الى تحقيق السيطرة على الموقف بالضغط والترهيب والاسقاطات لا بالحوار والاقناع، وتحقيق السيطرة بالضغط يؤدي الى الشك والتوجّس من كل همسٍ ووشوشة، او كل حركةٍ قد تكون موجّهة ضد من سيطر على الموقف بالضغظ اساساً، والشك بكل شيء يؤدي الى الحساسية المفرطة والبارانويا، والبارانويا تدفع صاحبها لتبنّي نظرية المؤامرة، ومحاولة السيطرة تبعاً لذلك على كل الثوابت والمتغيّرات والتفاصيل من حوله، كي يرتاح هو من الم الشك بداخله، وكي تتكامل هذه السيطرة مع المواقف والوضعيات التي اوجدها بالقمع اصلاً… وهكذا دواليك، حتى يغرق في دوّامة السيطرة على كل التفاصيل المحيطة، لدرجة الانهاك الكلي، وعندها تفلت كل الأمور من يده دفعة واحدة، وصولاً الى انهيار البنيان الورقي الذي ادخل نفسه بهذه الدوّامة من اجله بالأساس.

الشك والبارانويا بالدولة اللبنانية تدفع حزب الله لتعطيل الانتخابات الرئاسية، بانتظار رئيسٍ لا “يطعن المقاومة”، والامساك بالحكومة وبكل مفاصل المؤسسات حتى لا تنقلب على “المقاومة”، والبنيان المؤسساتي للدولة يسقط وينهار، والناس تموت جوعاً وقهراً، والزمن يتوقف على اللبنانيين، لكن المهم الا يُصاب إيجو “المقاومة” الهشّ بأي خدش. ونظرية المؤامرة تدفعه لتخوين كل من تسوّل له نفسه رفع الصوت او التلفظ بكلمة انتقاد “للمقاومة”، والشك بالطائفة الشيعية يدفعه لقمع كل صوت معترض يخرج منها، حمايةً لظهير “المقاومة”، والشك بقوات اليونيفيل يحدوه لاطلاق النار عليها كي لا تخترق مناطق “المقاومة”، والشك بحلفائه يدفعه لمعاقبة جبران باسيل سياسياً، لأنه سرّب مضمون اجتماعه بالسيد حسن، كي لا تهتز صورة “سيد المقاومة”، والشّك بنفسه يدفعه للتهويل على حزبٍ مدني ديموقراطي بمئة الف مقاتل مسلح، كي لا تُضرَب هالة “المقاومة”…هذا الشك قد يصل به قريباً الى حدّ ضبط اجنحة اصغر حشرة طائرة تحوم حوله، كي لا تؤدي النسمة المنبعثة من رفرفتها الى انهيار البنيان الورقي “للمقاومة”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل