
لفتتني حكاية معبرة جداً تحاكي أوضاع كثير من البلدان والمسؤولين فيها، ولكل قارئ الحرية بإسقاطها وإلباسها لمن يراه مناسباً بجسمه اللبّيس، وما أكثرهم.
يُحكى أن رجلاً اشترى حماراً ليتنقل عليه في ضيعته، وبعد فترة ومن خوفه أن يضيع الحمار يوماً ما، أصعده الى السطح ليتعرف على الطرقات المحيطة بالمنزل، فإذا شرد يوماً أو تاه، يمكنه العودة الى البيت بكل سهولة.
في المساء، أراد الرجل أن يُعيد الحمار الى الإسطبل، لكن الظاهر أن الحمار أحب المنظر من فوق، فروما من فوق حتماً ليست كروما من تحت، فرفض الحمار التجاوب مع صاحبه بالنزول، رفضاً قاطعاً.
تركه صاحبه على السطح آملاً أن يقتنع معه في اليوم التالي وينجح في إنزاله الى الإسطبل، لكن الحمار أبى النزول، وعندما بدأ صاحبه بشد الرسن ليُنزله بالقوة، بدأ الحمار في الرفس والنط والنهيق وجنّ جنونه، وبدأ سقف البيت الخشبي يهتز جراء ذلك، فخاف الرجل على عائلته ونزل مسرعاً ليخرجهم من المنزل، وبعد دقائق قليلة انهار سقف المنزل بالحمار، ما أدى الى دمار المنزل وموت الحمار.
أنقذ الرجل عائلته لكنه خسر منزله، وندم كثيراً على فعلته، فوقف فوق الحمار المضرج بدمائه متحسراً على ما حلّ به، قائلاً له، أعترف أن لا ذنب عليك والذنب كله يقع علي، فأنت مكانك في الإسطبل وأنا الذي وضعتك على السطح، وهذه غلطة حياتي التي لن أكررها مهما حييت.
المهم أن الرجل ندم كثيراً على الخطأ الذي كلّفه غالياً وكاد يفقده عائلته أيضاً، فكان هذا درس حياته الذي لن ينساه ولن يكرره، أبداً.
بينما، وفي الكثير من مجتمعاتنا، وخاصة عندنا، تقع الشعوب في نفس الخطأ في كل مرة، لدرجة تجعلك تشك أن هذا خطأ أصلاً، وإنما عن سابق تصور وتصميم، إما لمصلحة، أو لقربى، أو أغلب الأحيان، نكاية بالآخرين.
وكم من سقف بيت تهدم على رؤوس أصحابه، وكم من عائلات أبيدت أو فقدت من أبنائها، وكم منها تشردت وتهجرت وخسرت أرزاقها وجنى عمرها، كله بسبب أشباه الرجال الذين وضعناهم حيث لا ينتمون، وفي كل مرة، كالحـ… عفواً، كالأغبياء، نجدد ثقتنا بهم ليظلوا في عليائهم يرفسون وينهقون ويتمتعون بمآسينا.
علّ شعوبنا ومجتمعاتنا تتعلم من صاحب الحمار، كيف أن وضع حمار في غير مكانه، سيهدم البيوت على رؤوس أصحابها، وسيذيقها من الويلات ما لم تتخل يوماً، وبعكس الحمير، فهي أيضاً تعرف كيف تنجو بفعلتها في كل مرّة.