#dfp #adsense

من اغتيال “القوات” الى اغتيال وطن… أمثولة سيدة النجاة

حجم الخط

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1737

لا فرق كثيرًا بين من فجّر كنيسة سيدة النجاة في ذوق مصبح محاولاً اغتيال المقاومة التي تمثلها “القوات اللبنانية” بقيادة سمير جعجع، وبين من يُصرّ اليوم على تكرار المحاولة بأساليب مختلفة ليس آخرها غزوة عين الرمانة وما تبعها من اتهامات موتورة بلغت قمتها في الخطاب الذي خصّ به السيد حسن نصرالله حزب “القوات اللبنانية” ورئيسه مهددًا بمئة ألف مقاتل.

لكن المحاولتين فشلتا، الأولى بعد حين، والثانية بمفعول فوري، إذ انتهى عصر التعمية الإعلامية، وباتت “القوات اللبنانية” مكوّنا لا يمكن تخطيه أو حصاره بسهولة، حتى في ظل سطوة السلاح.

ذاك الأحد الأسود، الواقع فيه 27 شباط 1994 كان الجو السياسي العام ملبّدًا بتوتر بعضه ظاهر وبعضه مكتوم، ويشي بما لا يطمئن. ولذلك قصدتُ مكتبي في إذاعة لبنان الحر كمدير للأخبار، على الرغم من العطلة، وقبيل التاسعة والنصف يتصل بي أحد الرفاق وهو في حالة هلع: “الهيئة في انفجار بسيدة النجاة الذوق”. طلبت فورًا من أحد المندوبين أن يتوجه إلى الكنيسة “كما هو”، وراح رفيق آخر تسكن شقيقته في جوار الكنيسة، وكان في زيارتها، يخبرني بهول المجزرة، إذ بلغت الجرأة بالجناة، الذين استفادوا من تغطية أمنية ما ومن متواطئ ما أو من جبان ما، حدّ دسِّ العبوات الناسفة عند المذبح وتفجيرها “في عز” القداس.

وفي ظني، أن هناك جوانب ما زالت خفية حتى اليوم، وقد منع هولها في حينه بعض الشهود من البوح بما لاحظوا ورأوا. لقد كان التفجير خبيثاً ولئيماً بقدر ما كان غادراً وقاتلاً. فمن خلاله أرادت المنظومة الأمنية المشتركة أن تمهد لاغتيال “القوات اللبنانية”، عبر اتهام رئيسها وعدد من رفاقه، في سيناريو تم ترتيبه كي يكون بمنزلة ضربة قاضية، على أساس أن من نفذ التفجير هو المدافع الأول عن الكنيسة والمسيحيين، فتكون النتيجة إصابة عصافير عدة بحجر واحد:

أولاً: القضاء على “القوات” ورئيسها.

ثانيًا: التهويل على الكنيسة واحتواء موقفها، لا سيما وأن البطريرك صفير كان يعبّر عن تحفظات متزايدة وقاسية أحياناً على أداء السلطة في ظل الوصاية السورية.

ثالثاً: إفهام جميع الأحرار في لبنان إلى أي فئة أو طائفة انتموا أن السيف لن يوفر أحدًا منهم.

وبالطبع الأهداف لم تقتصر على ما تقدم، لكن القضاء على رأس حربة مقاومة الوصاية السورية كان يكفي لتوجيه الرسالة الى من يلزم. وكم تشبه تلك المرحلة في بعض الوجوه المرحلة الراهنة.

ففي حينه قاد سمير جعجع بحنكة وصلابة المعارضة الشرسة لقانون الانتخابات النيابية، والذي تم إقراره وأجري الاستحقاق على أساسه في صيف ومطلع خريف العام 1992، علمًا أن البطريرك صفير كان الرمز الآخر الأبرز الذي رفض هذا القانون على طريقته، ما استدعى انتقال رئيس حكومة الانتخابات آنذاك رشيد الصلح إلى بكركي للقاء سيد الصرح عله يستوعب اعتراضه، لكن البطريرك لم يقصّر أمامه في انتقاد القانون وفي التعاطي بجفاء مهذب مع الصلح، الذي بدا في حينه أشبه بمبعوث خاص لسلطة الوصاية في مهمة وسخة ولا تخلو من وقاحة.

وعلى خط موازٍ، استاء النظام المشترك أيما استياء من سمير جعجع الذي نجح في حشد المعارضين في أحد فنادق جونيه، مع إطلاق نداء صريح لمقاطعة الانتخابات، لأن القانون يشكل انتهاكا صارخاً للشراكة والتوازن الوطنيين، ويستهدف قمع الصوت المسيحي المعارض. وقد تجاوب اللبنانيون في حينه من مختلف الطوائف مع النداء، فأتت نسبة المشاركة في الاقتراع متدنية جدًا وغير مسبوقة لا سيما لدى المسيحيين.

كما أن تحفّظ “القوات” على التسليم بالأمر الواقع عبر رفض المشاركة في الحكومات، باستثناء حالة يتيمة، ونجاح رئيسها في استقطاب شريحة ولو محدودة نسبيا من الجمهور العوني واستعادة النبض القواتي زخمه، شكلت عوامل صبّت كلها في خيار تفجير الكنيسة وإلصاق التهمة بـ”القوات” وسمير جعجع. ولتسريع وتيرة الحسم، لجأ نظام الوصاية إلى فتح ملف إغتيال داني شمعون بالشكل المعتور نفسه.

لقد وقع كثيرون في حينه تحت وطأة التفجير وهالهم السعي لتجريم “القوات”، الأمر الذي جعل البعض يستهجن بتحفّظ والبعض يصمت والبعض يماشي الحالة المفتعلة ويداريها. على أن البطريرك صفير، الذي استشف قطبة مخفية، حرص على التعاطي الهادئ، فرفض تصديق الاتهام بحق “القوات اللبنانية”، بل شدد على العدالة النزيهة رافضاً في الوقت عينه ما بدا محاولة لإسكات صوت الكنيسة.

وكانت المفاجأة لجماعة النظام المشترك، بصدور الحكم بتبرئة سمير جعجع من تفجير الكنيسة “للشك”، وذلك بعد ظهر 13 تموز 1996، إذا يبدو أن رئيس المجلس العدلي فيليب خيرالله وسائر الأعضاء لم يحتملوا تكريس عملية التلفيق والتزوير في متن الحكم، على غرار الأحكام الأخرى، علمًا أن المجلس لم يوافق على عقوبة الإعدام في أي من تلك الأحكام بل اكتفى غالبًا بالحبس المؤبد.

ولي قصة مع القاضي خيرالله الذي كان رفيق والدي في صفوف الدراسة الإبتدائية، كونه من بلدة زيتون القريبة من قريتي المرادية في فتوح كسروان، وقد أخبرني والدي كم أن أهله كانوا أتقياء، فكتبت مقالة في حينه على صفحات “المسيرة” نوّهت فيها بهذا الجانب، وأضفت بعض الوقائع والانطباعات الأخرى، وعرفت لاحقاً أنه قرأ ما كتبت، علمًا أنني ألحقت المقالة بأخرى، أشرت فيها إلى حالات كثيرة يخطئ فيها القضاء بل يرتكب أخطاء جسيمة، على غرار قضية ألفرد دريفوس الشهيرة في فرنسا، فاعتبر المدعي العام التمييزي آنذاك أن في ما كتبت تجنيًا على القضاء ما يستدعي اتخاذ إجراء بحقي، لكن القاضي خيرالله حال دون ذلك.

قبيل صدور الحكم بقضية الكنيسة، كان يتجمع العشرات من القواتيين والمحبين في استوديوهات الإذاعة، ولما اتصلت بي مندوبتنا لتبلّغني بحكم البراءة طلبت من رئيسة الفترة أن تسرع إلى ستوديو الهواء لبث الخبر، ومن فرط انفعالها وعجلتها لم تغلق البابين السميكين العازلين، وبثت الخبر العاجل فانفجر من كان في الطبقة الأرضية بالهتاف الذي سُمع جيدًا عبر الأثير، ما أغضب الأجهزة الميمونة التي حذرتنا من التبعات سائلة كيف نفتح الشمبانيا احتفاء.

وبقدر ما كان الرهان على إلصاق تفجير الكنيسة بسمير جعجع سافلاً ونافراً، شكّل حكم البراءة صدمة هزت كيان الوصاية. فاتصل في الغداة جميل السيد بالإذاعة بعدما سمع النشرة الصباحية الأولى، وهو يهدد ويتوعّد، لأننا أبرزنا حكم البراءة من دون عبارة للشك، فسارعتُ الى الإذاعة لاحتواء الموقف، إذ يبدو أن السيد سمع تقريعًا غاضبًا من عنجر نتيجة فشل الرهان على الإدانة. ولم تمرَّ ساعتان على اتصاله حتى وصلت إلى الإذاعة قوة عسكرية من سيارة جيب وملالة وشاحنة أمضى آمرها وعناصره نحو أسبوعين عند مدخل الإذاعة وفي موقف السيارات للتهويل والضغط… وفي نهاية المطاف لم يصح إلا الصحيح.

اليوم، النوايا المبيّتة هي هي ولوثة التآمر هي هي، ومحاولات التجنّي والتزوير وتركيب الملفات هي هي، وإن بدت أصعب على أصحابها. ففي القضاء ثمة قضاة مطواعون يندى الجبين لأدائهم، وقد برز بعض مآثرهم في تعطيل التحقيق العدلي في قضية تفجير المرفأ، وفي السعي لتوريط “القوات اللبنانية” ورئيس الحزب بغزوة عين الرمانة، مرورًا بقضية التعرّض للمطران موسى الحاج، وصولاً إلى ملاحقة أهالي الضحايا وتوقيف وليم نون. وفي المقابل ثمة قضاة يتمتعون بالجرأة والنزاهة ويتصدّون لمحاولات التطويع وإزهاق الحق والحقيقة.

إن العقل الذي كان وراء تفجير كنيسة سيدة النجاة، وما زال يحاول تبرئة الجناة والمتورطين والمقصّرين في جريمة تفجير المرفأ، والذي سعى إلى تفجير الفتنة في غزوة عين الرمانة، هو ذاته الذي يحاول تفجير البلد أو التهويل بتفجيره، إذا لم تمتثل مختلف القوى السياسية لرهاناته، بإيصال رئيس يستقوي به فيتماهى مع توجّهاته أو يفرض إسماً ضعيفاً يخضع للأمر الواقع، إذ يكفي أن لا يأتي على ذكر سلاح “حزب الله” وأن يكون مستعدًا “لحماية ظهر المقاومة.”

ولذلك، يقود اليوم سمير جعجع الحالة الرافضة لهذا المنحى، وتصوَّب السهام نحوه بوسائل شتى، بعدما ساءهم النجاح في توحّد معظم مكوّنات المعارضة وراء مرشح واحد، علمًا أن الأجدى بمن يعتبر نفسه تغييريًا أو مستقلاً أو معتدلاً ألا يقع في فخ حلف الفساد والدويلة، ويقدم له الاستحقاق الرئاسي بخلفية المعاندة والمكابرة، على طبق من ذهب.

اليوم، لم يعد الرهان على تفجير كنيسة، ولا على تفجير مسجد، لا سيما بعد انكشاف تفجير مسجدي التقوى والسلام في طرابلس على أيدي “الملائكة” أنفسهم، لكن أمثولة سيدة النجاة تبقى حاضرة لاستلهام الطريق إلى نجاة لبنان ممن يحاولون قيادته إلى الهلاك أو إلى ظلم الهيمنة وظلامة ثقافة الموت.

 

أنطوان مراد – مستشار رئيس حزب “القوات اللبنانية” لشؤون الرئاسة

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل