.jpg)
لم يكن جبران باسيل، بوصفه مهندس تفاهم مار مخايل، لينقلب على كل تاريخ التيار الوطني الحر وثوابته وقناعاته، متحالفاً مع حزب الله، عاملاً على كسر الحصار الشعبي والسياسي والوطني عن الحزب، بعد 14 اذار 2005، لولا الثمن السياسي الكبير الذي كان يُمنّن النفس بقبضه في ما بعد، خصوصاً ان القضية المحورية للتيار العوني منذ عام 1988، تجلّت في وصول الجنرال الى رئاسة الجمهورية.
بكلامٍ آخر، لم يكن جبران باسيل ليخاطر بخسارة مشروعية التيار تاريخياً ووطنياً وسيادياً، المترافقة مع تراجعه الكبير مسيحياً، لولا رهانه على الامساك بالملف المسيحي ضمن تحالف 8 آذار، مروراً بالحصول على كامل الحصة المسيحية المُخصصة لهذا التحالف، وصولاً للامساك بكل الحصص السياسية المخصصة للمسيحيين داخل النظام.
فالتيار الوطني الحر، حتى قبل ان يتحالف مع حزب الله، كان يُشكّل غالبيةً في الشارع المسيحي، بحيث تجلّى هذا الأمر في انتخابات 2005 التي جاءت له بكتلة نيابية مؤلفة من حوالى 23 نائباً بقواه الذاتية، بحيث دخل التحالف مع حزب الله من ضمن توازن قوى يسمح له حقيقةً في الامساك بالملف المسيحي. وقد تجسّد ذلك من خلال انضمام فرنجية الى تكتل الاصلاح والتغيير برئاسة عون، حاسماً اي جدل حول المرجعية المسيحية لـ 8 آذار.
مع نهاية ولاية الرئيس ميشال سليمان عام 2014، كان موعد قطاف ثمرة الرئاسة عونياً، غير ان توازن القوى بين 8 و14 آذار لم يكن يسمح لتحالف عون-حزب الله بإيصال عون، إنما فقط برفع الفيتو على اي مرشح آخر سواه، ووضع الجميع امام معادلة عض اصابع عنوانها “عون او الفراغ”، في ظل تسارع الخطى نحو الانهيار المالي للدولة اللبنانية، وفي ظل تمسّك رئيس القوات اللبنانية بترشّحه للرئاسة، لا طمعاً بالموقع او املاً بالفوز في الانتخابات، وإنما لمجرد الحفاظ على توازن القوى الداخلي، بما يحول دون الرضوخ الكلي لمعادلة عون-حزب الله، ويمنع تالياً الدولة اللبنانية برمّتها من الوقوع في قبضة المجهول.
ولكن عندما صرخ الرئيس سعد الحريري اولاً، متبنياً ترشيح فرنجية، مكرسّاً موقع الرئاسة من حصة 8 آذار، باتت القوات امام لحظة الحقيقة الصعبة:
فإمّا السير خلف قرار الحريري، في ملفٍ يتعلق اصلاً بالمسيحيين قبل سواهم، في ظل تولّي عون الملف المسيحي ضمن تحالف 8 آذار، بما يظهرها في موقع التابع والمُستلحق للحريري، والرافض لخيار الأكثرية المسيحية بنفس الوقت، وهو ما يُضعفها شعبياً، ويؤدي تالياً الى إضعاف كل 14 آذار مجتمعةً، من دون حتى ان يتمكن الحريري مع القوات من ايصال فرنجية الى الرئاسة، بالنظر الى تمسك حزب الله بمعادلة “عون او الفراغ”؛
وإمّا تمايزها عن الحريري، وبقاءها في الوسط، وهو ما سوف يدفع الأخير لتبنّي عون لاحقاً، بالنظر الى ان الأسباب التي دفعته اساساً للانتقال الى ضفة فرنجية كمرشحٍ من 8 آذار، كانت هي نفسها التي ستدفعه للإنتقال الى تأييد عون فيما بعد، خصوصاً ان الفراغ كان يُضر بمصالح الحريري المباشرة، وخصوصاً ايضاً ان اجتماعات باريس بين نادر الحريري وباسيل عام 2013، كانت قد قطعت شوطاً كبيراً في هذا الإطار، قبل ان يتم وأدها سعودياً.
وعندها، كانت القوات ستجد نفسها محاصرةً وطنياً ومسيحياً، في ظل دولةٍ لبنانية خارجة عن السيطرة داخلياً وعربياً ودولياً، وعهدٍ يمتد لست سنوات يتربع على رأسه خصمها التاريخي اللدود؛
وإما تبني ترشيح عون بعد تقييده بضوابط وموازين سياسية وسيادية وإدارية ومسيحية، من خلال ورقة البنود العشر وملحقها السرّي، املاً بجعله رئيساً وسطياً، وصولاً الى محاولة فك تحالفه مع حزب الله، انطلاقاً من انتفاء الأسباب الموجبة التي دفعته لإبرام تفاهم مار مخايل بالأساس، والذي يُلخص بعنوانٍ واحد وهو وصوله الى الكرسي الرئاسي، ومن ثم اعادة تصحيح موازين القوى، وإنما من داخل مجلس الوزراء، وذلك عبر ربط القوات تأييدها لعون بوصول الحريري الى رئاسة الحكومة.
فتكون القوات بذلك قد حققت بُعدين: البُعد المسيحي مع عون، لتأمين الشراكة المتوازنة في السلطة، والبُعد السيادي مع الحريري، لمنع تجيير هذه الشراكة لمصلحة محور الممانعة، والمحافظة على موازين القوى الداخلية.
اذا كان حزب الله قد عطّل انتخابات الرئاسة وفق معادلة “عون او الفراغ”، فإن تبنّي القوات لترشيح عون، كان عملياً تفضيلاً له على الفراغ من جهة، وإرساءً لموازين دقيقة، لم تكن مفهومة لدى شريحة من الراي العام في ذلك الوقت، وادّت الى اضعاف ومحاصرة وانتهاء كل من أراد الانقلاب عليها لاحقاً.
فالحريري الذي تخلّى عن البُعد السيادي من خلال فك تحالفه مع القوات داخل الحكومة بمجرد تكليفه برئاستها، لصالح الشراكة المتعددة الأوجه مع باسيل وحزب الله، اصبح مع مرور الوقت لقمةً سائغة في فم هذا الثنائي، وذلك بعدما ساهم “حِرده” على القوات، عن قصد او عن غير قصد، باختلال موازين القوى داخل الحكومة وخارجها لصالح باسيل وحزب الله، وهو ما انعكس عليه سلباً، وادّى الى إضعافه شعبياً وعربياً، وخروجه لاحقاً من الحياة السياسية.
امّا باسيل، الذي تخلّى عن الشراكة المسيحية مع القوات، منقلباً على تفاهم معراب، لصالح تفرّده بالسلطة من جهة، وشراكته مع الحريري وحزب الله من جهة ثانية، عاملاً على محاصرة القوات وإخراجها من الحكومة مستفيداً من موقف الحريري تجاهها، وذلك حتى يخلو له الجو من اي رقابة او محاسبة او اقلاق راحة قواتية بداخلها، بات متفلتاً كلياً من كل ضوابط والتزامات أخلاقية وسياسية ووطنية صارمة فرضها عليه تفاهم معراب، وراح يتصرّف بتعالٍ وتكبّر وكأنه الحاكم بأمره، منغمساً اكثر فأكثر في سياسة الصفقات والمساومات المناقضة تماماً لفلسفة اتفاق معراب، خصوصاً لناحية معايير الكفاءة التي وضعها الاتفاق، وصولاً الى اتفاقه مع حزب الله على تقصير ولاية عون لإعادة انتخابه هو لست سنوات جديدة، في طعنة جديدة لتفاهم معراب الذي كان يفترض بباسيل ان يُبادل الجميل بالخير، ويُبادر الى تأييد الحكيم لولايةٍ رئاسية بعد عون.
ادّى خروج باسيل الى الإعلام مباشرةً بعد نيله تأييد حزب الله لولاية جديدة، مهدداً بقلب الطاولة على الجميع وجرف كل اخصامه في البحر، الى استفزاز الرأي العام اللبناني وخروج اللبنانيين في ثورة عارمة في 17 تشرين.
ولو لم يطعن باسيل اتفاق معراب في الصميم، لما انجرف بدايةً الى سياسة الصفقات والمساومات مثيراً نقمة الراي العام، ولما كانت ثورة 17 تشرين وجدت لها ظهيراً شعبياً مسيحياً يتجرّأ على اقفال الطرقات في المناطق المسيحية، وهو ما قلب كل المقاييس داخلياً ودولياً، وادّى الى انكشاف باسيل، وتحولّه الى ما يُشبه مريض “البرص” الذي يتنكّر له كل معارفه، ويتنصّل منه السياسيون واحداً واحداً، وصولاً الى تنصّل الحريري من علاقته به، واستقالته من الحكومة، ومن ثم تعرضّه لعقوبات دولية بتهم الفساد.
اسفر هذا المسار الانحداري، الذي بدأ عند اول طعنة وجّهها باسيل لاتفاق معراب، الى تراجع وزنه في موازين القوى وطنياً، وسياسياً، ومسيحياً، وعربياً ودولياً، ورئاسياً، وداخل 8 آذار، وبات هذا التراجع ينعكس تهديداً وجودياً على حليفه حزب الله، بالنظر الى عدم إمكانية تسويق باسيل مرشحاً عن 8 اذار من جهة، وعدم إمكانية فك التحالف معه من جهة ثانية، على الرغم من الابتزاز الذي يمارسه يومياً على الحزب، وذلك كي لا يؤدي خروج باسيل من التحالف الى إضعاف حزب الله في موازين القوى اللبنانية.
الإشكالية الكبيرة التي تعيشها 8 آذار تؤدي الى استمرار الفراغ الرئاسي وتمدده الى كل المؤسسات بما يُهدد كل التركيبة التي أقامها النظام السوري وحزب الله منذ 1990 بالانهيار.
كما ان تبنّي الحزب لترشيح باسيل يؤدي حكماً الى توتير الأجواء الشيعية-السنية، وهذا ما لا يريده حزب الله الذي يسعى لتطبيع العلاقة مع السنّة عبر مراكمة النقاط، املاً بالتخلص من “عبء” باسيل من جهة، ومراهنةً منه على إعادة رسم نظامٍ جديد سني-شيعي، بعيداً عن القاعدة المسيحية التي باتت القوات ممثلتها الشرعية والناطقة الرسمية بإسمها عملياً.
كل ذلك ادّى الى تنصّل الحزب من تأييده لباسيل، وتبنّيه لفرنجية على الرغم من اعتراض باسيل، ومن دون حتى استشارته، كما ادّى الى إخراج الملف المسيحي عملياً من يد هذا الأخير ضمن تحالف 8 آذار، وتحوّله، تبعاً لذلك، الى الحلقة الأضعف في هذا التحالف، وهو ما بات يُرخي بثقله عليه لدى الشارع المسيحي من جهة، وقواعده العونية من جهة ثانية، ويؤكد صوابية النظرة القواتية، ويُحصّن مواقفها اكثر فأكثر، من جهةٍ ثالثة.
واضحٌ ان فقدان باسيل للمشروعية المسيحية بشكلٍ كبير، وتعويم نفسه نيابياً بالاستناد الى قواعد حزب الله الانتخابية، لا قواه الذاتية، ومن ثم سحب الملف المسيحي من يده داخل تحالف 8 آذار، يؤدي تلقائياً الى نسف اسس تفاهم مار مخايل، والقائمة على معادلة “الغطاء المسيحي لحزب الله مقابل الملف المسيحي لباسيل”.
لا شك ان الوضعية التي اوجد باسيل نفسه بها بعد انقلابه على تفاهم معراب، صعبة جداً، غير ان رجوعه عن هذا الخطأ املاً بفتح كوةٍ صغيرة في هذا الجدار، يبدأ بالتصويت للمرشح السيادي الاصلاحي الذي تدعمه القوات، ومن دون الحاجة لا لحوارات ثنائية ولا لجلسات ارتشاف قهوة مع القوات. فالثقة التي فقدها باسيل دفعة واحدة، لا تُستعاد إلاّ بمراكمة النقاط، وانتخابات الرئاسة هي اول هذه النقاط.