Site icon Lebanese Forces Official Website

6 شباط خطيئة العصر

صوّت الرأي العام المسيحي في أوّل انتخابات نيابية بعد خروج الجيش السوري من لبنان في العام 2005 ضد 8 و 14 آذار معاً، لأنه شعر ولمس غياب اي تبدُّل جدي وفعلي في الإدارة السياسية للبلد، فيما كان رهانه على أن يشكل الخروج السوري مدخلاً لممارسة مختلفة تعيد الاعتبار لدور الدولة، وهذا طبعاً نتاج التحالف الرباعي، وتذكيراً بأن الدكتور سمير جعجع خرج من معتقله السياسي بعد الانتخابات النيابية التي منح فيها الناخب المسيحي صوته للعماد ميشال عون الذي استفاد من نقمة المسيحيين على التحالف الرباعي وشعورهم الدفين بأن فرصة تاريخية من قبيل الخروج السوري، تفتح الباب لإعادة تصحيح المسار قد تبدّدت.

وبدلاً من أن يستفيد العماد عون من هذا التفويض المسيحي الكبير، وأن يشكل دور المعارضة المسيحية واستطراداً الوطنية ضد فريق يغيِّب الدولة وآخر لا يديرها بالشكل المطلوب، بدأ البحث عن التحالفات التي تعبِّد وصوله إلى القصر الجمهوري. وبعد أن لمس أن طريقه غير سالكة مع مكونات 14 آذار، فتح خطوطه مع “حزب الله” توصلاً إلى اتفاق معه، عُرف بتفاهم مار مخايل او تفاهم 6 شباط.

خطورة هذا التفاهم في الشكل أولاً أن العماد عون الذي يشنّ حروبه من دون تخطيط ودراسة لموازين القوى، يعقد تحالفاته بوقاحة سياسية وكأن لا حسيب ولا رقيب ولا رأي عام، في انقلاب على كل مساره التاريخي وأدبياته ومواقفه وشعبيته التي مردها إلى محاربة الميليشيات في مرحلة تعبت فيها الناس من الحرب، وجاء من يقول لها “انا المنقذ”، فإذ به يتحالف مع ميليشيا لم تنشأ بسبب غياب الدولة على غرار الميليشيات الأخرى، بل بقرار إيراني في سياق نشر الثورة الإيرانية، واستمرت على الرغم من عودة الدولة. وعدا عن أن قرارها وتمويلها وتسليحها إيراني، فإنها تتحمّل مسؤولية إبقاء لبنان دولة مخطوفة بعد الخروج السوري من لبنان.

خطورة هذا التفاهم في المضمون ثانياً، أنه يشكل انقلاباً على الخط المسيحي التاريخي في لبنان الذي ناضل أصحابه في سبيل دولة حديثة تكون جزءًا من جامعة عربية ومجلس أمن، وهناك قلة من المسيحيين تاريخياً كانوا في صلب مشاريع تتناقض مع تطلعات البيئة المسيحية ومفاهيمها وفلسفتها ونظرتها للدور المسيحي، لكن العماد عون نجح، وللأسف، في جعل أكثرية مسيحية مع خيارات لا تشبه تاريخ المسيحيين ولا حاضرهم ولا مستقبلهم، وتشكل انقلاباً على كل مسارهم ومسيرتهم وقناعاتهم.

أطاح تفاهم مار مخايل بفرصة قيام دولة لاحت مع انتفاضة الاستقلال من خلال ترييح “حزب الله” الذي يرتكز أحد أدواره على منع قيام دولة فعلية، ووضع لبنان في تناقض مع المجتمعين العربي والغربي، ولولا هذا التفاهم لكان مسار المواجهة مع الحزب تبدّل حكماً، لأن اندفاعة الانتفاضة الداخلية التي ترافقت مع مواكبة دولية كانت كفيلة بدفع الحزب إلى تقديم التنازلات لمصلحة الدولة، لكنه استفاد من هذا التحالف ليقود انتفاضة عسكرية في 7 أيار من العام 2008 على الانتفاضة السلمية في 14 آذار من العام 2005.

لا تقلّ مساوئ تفاهم مار مخايل عن حربي التحرير والإلغاء، حيث قادت الحرب الأولى إلى سلق اتفاق سياسي، وقادت الحرب الثانية إلى تسليم مفاتيح المنطقة الحرة للرئيس حافظ الأسد، وقاد التفاهم إلى تسليم مفاتيح قيادة البلد للسيد حسن نصرالله مقابل حصول العماد عون على وعد رئاسي، وهذه الرئاسة ذاتها التي كانت السبب الرئيسي وراء شن حرب التحرير، والسبب الأساسي لشن حرب الإلغاء، والسبب الأول للتحالف مع “حزب الله”.

فالتعدُّد داخل البيئة المسيحية مسألة صحية، لكن هذه المسألة تتحوّل إلى مرضية عندما تخرج فئة مسيحية وازنة عن الخيارات التي تشكل قدس أقداس الجماعة المسيحية: الحضور الذي لا يستمر ولا يتأمّن سوى وسط دولة واستقرار وازدهار، فيما مشروع “حزب الله” هو مشروع حروب دائمة لا يؤمن بحدود وكيانات ودول، ويشكل خطورة ما بعدها خطورة على مستقبل المسيحيين في لبنان، الذي لا يتألّق دورهم سوى في المساحة التي يسودها الاستقرار والنظام، والدليل تجربة المسيحيين الرائدة بين الاستقلال والحرب. هذا الدور سيبقى مُعطلاً ومشلولاً في ظل دور “حزب الله” الذي صادر السياسة الخارجية ووضع يده على السياسة الدفاعية وعطّل السياسة الداخلية.

خطورة تفاهم مار مخايل انه شكل اختراقاً للجسم اللبناني المسيحي وحوّل المواجهة إلى داخل هذا الجسم بدلاً من أن يكون موحداً في مواجهة “حزب الله” الذي تسلّم من النظام السوري مفاتيح الزنزانة التي تقبع فيها الدولة، لكن الجانب المُطمئِن أن المسيحيين الذي اقترعوا للعماد عون في العام 2005 راحوا يعيدون النظر باقتراعهم بعد توقيعه التحالف مع الحزب، حيث انتقلت الأكثرية المسيحية إلى “القوات اللبنانية” التي حافظت على صعودها المتواصل بثبات، كترجمة لتمسكها بمبادئها وثوابتها والقضية التي تحملها في وجدانها وعقلها.​

Exit mobile version