!-- Catfish -->

قوة الموارنة ودورهم بأبعادٍ ثلاثية

 

يصادف هذا الأسبوع عيد مار مارون، ويشكل هذا العيد مناسبة لتسليط الضوء على أهمية دور الموارنة في ثلاثة أبعاد أساسية:

البعد الأول يتعلّق في تكوينهم المجبول بالحرية والانفتاح على كل ثقافات العالم، وإذا كانت الحرية جعلتهم في مواجهة دائمة مع كل مستبدّ ومحتلّ وظالم، فإن الانفتاح جعلهم في تفاعل دائم مع كل جماعة أو فرد أو فئة تتقاسم معهم غنى الحياة المشتركة، فكانوا في حالة مدّ مع زوال الخطر، وحالة جزر مع عودة الخطر، وذلك حفاظاً على وجودهم وحضورهم.

البعد الثاني يرتبط في دورهم ومساهمتهم الأساسية في هندسة لبنان وصناعته كدولة غربية في حداثتها وتطورها وديمقراطيتها وحرياتها، ودولة شرقية في احترامها للأديان ودورها، إنما ضمن دولة مدنية في نصوصها وتشاركية في سلطتها كانعكاس للمجتمع وتعدديته، وسعيهم كان دائماً من أجل دولة لجميع اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين، لا أولوية فيها تعلو على أولوية لبنان والمصلحة العليا للشعب اللبناني.

البعد الثالث يتصلّ في صمودهم اللافت على الرغم من العوائق والصعوبات والتحديات التي واجهتهم على مرّ تاريخهم القديم والحديث، ولولا هذا الصمود المثلّث في الجسد (التمسك بالأرض) والروح (قوة الإيمان) والعقل (دورهم وفقاً لمسلماتهم وثوابتهم) لتحولوا إلى فئة هامشية متلقية لا مؤثرة في مسار الأحداث والتطورات. وبالتالي، قوتهم متأتية من صلابتهم وتمسكهم بقناعاتهم ورفضهم التخلي والتراجع عن مشروعهم في إرساء دولة متطورة بنمط عيش شعبها واقتصادها وحرياتها ودستورها وقوانينها وأجسامها الاستشفائية والتعليمية والسياحية…

وقد أظهرت الأحداث أن قوة الموارنة تشكل قوة للبنان الدولة والسيادة والحياد والحرية والعدالة والمساواة، وضعفهم يؤدي إلى إضعاف الدولة وانتهاك السيادة وإسقاط الحياد وضرب العدالة ونسف المساواة، وما استهدافهم إلا لاستهداف الدولة أو المشروع الذي شكلوا رواده، وبالتالي المُستهدف لم يكن الموارنة كطائفة، إنما الموارنة كدور ورافعة للبنان الدولة والوطن.

فالأزمة العميقة في لبنان لم تكن طائفية حول سلطة وكراسي ونفوذ، إنما انقسام حول معنى لبنان ودوره، فلو سلموا مثلاً بالدولة البديلة لكانوا تصدروا واجهتها، ولو سلّموا بإلحاق لبنان بسوريا لكانوا فُوِّضوا في حكم البلد، وبالتالي المشكلة ليست في طائفتهم، إنما في مشروعهم الذي لم يخرج يوماً عن اللبنانية السياسية.

فلا مشروع للموارنة خارج إطار دولة لجميع اللبنانيين، وبقدر ما ينجح الموارنة في الوصل مع شركائهم في الوطن حول اللبنانية السياسية، بقدر ما يتعزّز مشروع دولة الانسان في لبنان، هذه اللبنانية التي تجسدّت في انتفاضة الاستقلال من خلال وحدة موقف وصف بين المسيحيين والمسلمين الذين رفعوا شعاري “لبنان أولاً” و”الدولة أولاً” تجسيداً للبنانية السياسية.

قوة الموارنة تكمن في مشروعهم السياسي المُعَنون باللبنانية السياسية، ونجاح هذا المشروع يتوقّف على ذكائهم في إشراك كل جماعة أو فرد يريد العيش في مساحة آمنة ومستقرة ومزدهرة في كنف دولة ودستور وعدالة وحرية. فلبنان لا يحيا وسط مشاريع طائفية أكانت مارونية أو سنية أو شيعية أو درزية، ومتنفسه الوحيد مشروع عابر لكل الطوائف والأفراد ويتمثّل حتى اللحظة باللبنانية السياسية.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل