Site icon Lebanese Forces Official Website

المطران بطرس الجميّل… وَجهٌ مُشرقٌ علينا من جوار مار مارون في ليتورجيّة سماويّة دائمة

يمرّ عيد مار مارون (9 شباط)، هذه السنة (2023)، والمطران بطرس الجميّل غائب عنا، حيث فارقنا الى بيت الآب السماوي صباح السبت 21 آب 2021، ولبنان في مرحلة صعبة ومأزومة على الصعد كافة.

وما أجدر بنا اليوم، أن نفي بعض الشيء، نحو هذا العالِم الكبير، بالكتابة عنه، فنضيء، ولو سريعًا، على هذه الشخصيّة المميّزة والاستثنائيّة التي طبعت تاريخ الكنيسة المارونية بإنجازات ضخمة وبصمات لا تمحى، نحتاج أن نغرف منها الكثير، علّ صداها يبقى يدوي في الأسماع الخاشعة المصغية، والقلوب النقيّة المؤمنة، والعقول الباحثة المدرِكة؛ فلا يكون الجيل المعاصر الطالع، بعيدًا عن معرفة هذا العلاّمة الرؤيوي والنهضوي الكبير.

المثلّث الرّحمة المطران بطرس الجميّل (1932-2021)، وجهٌ مُشعّ وبهيّ في مسيرة الكنيسة المارونية، وهو إحدى أعمدتها الصلبة في القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين، في خطّ التجديد والإصلاح والعودة الى التراث ودرس التاريخ العريق، وخدمة الشعب روحيًا وإنسانيًا، بتفانٍ بارز ونشاط لافت.

عالِم وعلاّمة، مفكّر ومعلّم، مؤرّخ وليتورجي، ملفان ومجاهِد، قَرَنَ العلم بالعمل، والقول بالفعل، والفكرة بالتطبيق، والمشروع بالتنفيذ، وإلإرادة بالتحقيق، والطموح بالتحدّي، والهدف بالإرادة. وتوّج كلّ ذلك بإنجازات رائدة وخالدة، تنبض بالحياة والنور، وتفيض علمًا وقداسة من مسعاه الطيّب وجهده المبارَك!

سأحاول في هذا المقال، اختصار مسيرته الخصبة والرائدة، في ثلاثة نقاط بارزة، هي كالآتي:

1-العامل المجاهد في الحقل الكنسي-الرعوي: المطران بطرس الجميّل، إبن بلدة عين الخرّوبة المتنيّة، سيمَ كاهنًا سنة 1959، ومونسنيورًا سنة 1977، ونائبًا أسقفيًا عامًا على أبرشيّة قبرس (أنطلياس) سنة 1979، ثمّ مطرانًا على أبرشيّة قبرس المارونيّة سنة 1988 بعد فصلها عن القسم اللبناني، فكان أوّل مطران على موارنة جزيرة قبرس كأبرشيّة مستقلّة حتى تقاعده سنة 2008. كما عيّنه المثلّث الرحمة البطريرك مار نصرالله صفير، رئيسًا للجنة البطريركيّة للشؤون الطقسيّة (1988-2011). وفي كل هذه المهام وغيرها، أتحف الكنيسة المارونية، في لبنان وقبرس والعالم، بإنجازات كبيرة وأفكار رائدة وعطاءات كثيرة على عدّة صعدة ومختلف المجالات: الكنسية والرعوية والطقسية والتربوية والعلميّة والإجتماعيّة والإنسانيّة.

بَعيدُ النظر وعميقُ الفكر وواضحُ الرؤية ومتعدّد المواهب والطاقات، عمل بجهد كبير لإطلاق الكنيسة المارونية في مسيرة تجديد، خاصة بُعَيد المجمع الفاتيكاني الثاني (1963-1965)، الذي شارك في إحدى جلساته المخصّصة لوضع أوّل نصوصه وهي “دستور في الليتورجيّا” (سنة 1963) وحين إقراره، حمله معه المطران الجميّل الى لبنان بنصّه الأصلي، ليُترجَم الى اللغة العربية –مع سواه من النصوص لاحقًا- ويوضع موضع التنفيذ.

في هذا الخطّ التجديدي العاصف بالكنيسة الجامعة، ومن بعد عودته من روما وإنجازه للدكتورا في الليتورجيّا، تَوّجَ نشاطه التجديدي في حركة “كنيسة من أجل عالمنا” التي ضمّت نخبة من الإكليروس والعلمانيين الذي كان من أبرز مؤسّسيها الجريئين واللامعين في الإصلاح والتحديث، بطريقة تطبيقيّة عملانيّة على صعد كافة، ودون المس بالأسس التاريخية والأصول العريقة. كما رافق المطران الجميّل مسيرة المجمع البطريركي الماروني (2003-2006)، وكان عضوًا في لجنته المركزية الموسّعة، مُبديًا الآراء السديدة والفاعلة، لا سيّما بما يتعلّق بالإنتشار الماروني والشأن الطقسي والهمّ الرعوي.

في نشاطه الكهنوتي والأسقفي، حضّر وحقّق ونفّذ عشرات المشاريع والانجازات الكنسية والعمرانية والتربوية والروحيّة أينما حلّ في خدمته سواء في لبنان أم في قبرس: من رعيّته في عين الخرّوبة، الى كنيسة مار ضوميط (النبعة-برج حمّود) التي خدمها السنين الطوال منجزًا فيها عشرات المشاريع والنشاطات والمبادرات، الى أبرشيّة قبرس في أنطلياس قبل قسمتها، ثم في قبرس التي أصبح مطرانها سنة 1988 حيث أسّس فيها عدّة مشاريع، منها مرسم الإيقونات المارونية سنة 1992، فطُبعت الإيقونات المرسومة في كتابين ضخمين، فضلاً عن متحف أسّسه ليضمّ التراث المسيحي والماروني العريق في الجزيرة التي خدم شعبها وحضنه بكل تفاني وإخلاص في أصعب الظروف التي مرّت عليه.

2-العالِم المتخصّص والأستاذ الجامعي: بالإضافة الى تخصّصه باللاهوت والفلسفة ككلّ المقبلين الى الرتبة الكهنوتيّة، تخصّص المطران بطرس الجميّل –وهو بعدُ في الإكليريكيّة- في التاريخ في الجامعة اليسوعيّة، ثم في الليتورجيّا حيث تخرّج من روما كأوّل دكتور في الليتورجيّا سنة 1963 في الكنيسة المارونية، وموضوع أطروحته عن القسم الأول للقداس الماروني. وقد بدأ مسيرته العلميّة والعمليّة كحافظٍ للمكتبة البطريريكية في بكركي، ثم في إطار العمل الأكاديمي والتعليم العالي، فكان الأستاذ الجامعي البارع في أعرق الجامعات اللبنانيّة، من الجامعة اليسوعيّة (القديس يوسف-بيروت) التي تعلّم فيها وتخصّص، الى الجامعة اللبنانية (كليّة الإعلام)، الى جامعة الروح القدس- الكسليك (في معهد الليتورجيّا حيث كان من أوائل أساتذته منذ تأسيسه سنة 1969 مع الأباتي يوحنّا تابت) وقد أتحفها بمحاضرات ليتورجيّة متعدّدة لا تزال مرجعًا أساسيًا قيّمًا في كل دراسة وتجديد طقسي.

كذلك برز المطران بطرس الجميّل في مجال التأليف والنشر، خدمةً للعلم والمعرفة، بخاصة في حقل التاريخ والليتورجيّا. فكان المؤرّخ العلمي من الطراز الأول: أصدر الكتاب-الدراسة عن “القدّاس الماروني” موضوع أطروحته، مع التوسّع في كل أقسام القداس الماروني (1970، وطبعة ثانية 2007). كما حقّق ونشر “زجليّات ابن القلاعي” سنة 1982، ثمّ كتابه عن “العذراء مريم في الكنيسة المارونيّة” (1988، وطبعة ثانية 2007)، دون أن ننسى باكورة مؤلّفاته الطقسية الهامة أي كتابه الضخم “صلاة المؤمن” في ثلاثة أجزاء (سنة 1966 و1967، وطبعة ثانية سنة 2006)، وكتاب “الإيقونات المارونيّة” (في جزئين: 1999 و2002). كما كتب ونشر عشرات الدراسات والأبحاث والمحاضرات القيّمة سواء في مجال التاريخ الكنسي والماروني وفي إطار الإصلاح والتجديد الطقسي والمجال الرعوي وأفكار لمشاريع تطبيقية عملانيّة ومستقبليّة.

3-الرائد البارع في الإصلاح الطقسي: إنطلاقًا من كل علومه وثقافته ونشاطه واندفاعه وأفكاره وغيرته وكفاءته، رافق المطران بطرس الجميّل مسيرة الإصلاح الليتورجي والتجديد الطقسي في الكنيسة المارونية منذ بداياتها في منتصف الستينات من القرن العشرين، حيث عيّن أمينًا للسرّ ثم مقرّرًا للجنة، ثم صدرت الكتب الطقسية تباعًا بطريقة رسميّة تامة –بعد دراسات علميّة ورعويّة مستفيضة- عن اللجنة الطقسيّة التي ترأسها في عهد المثلّث الرحمة البطريرك الكردينال مار نصرالله صفير بدءًا من سنة 1988، فصدّر المطران الجميّل الكتب الطقسية الناجزة بمقدّمات تفصيليّة وشروحات رعويّة وهي بالتتابع: كتاب “القدّاس” (1992 و2005) وكتاب قراءات الإنجيل والرسائل، وكتاب “سيامة الكاهن” و”سيامة الأسقف” (1996)، وكتاب “الجنّازات” (2000)، ورتبة “سرّ العماد وسرّ الميرون” (2003)، ورتبة “الخطبة والإكليل” (2004)، ونافور “شَرَر” (2008)، وكتاب “التراتيل” المارونيّة (2008)، و”رتبة سرّ التوبة” (2011)، ورتبة “سرّ مسحة المرضى” (2011). فضلاً عن عدّة مشاريع طقسية كانت قيد الدرس والإعداد والتحضير، ولمّا تبصر النور!

خاتمة: سار المطران بطرس الجميّل على خطى الأحبار العظام، لا سيّما البطريرك العلاّمة مار اسطفانوس الدويهي، والأسقف جبرائيل إبن القلاعي، وكلاهما توليّا رعاية أبرشية قبرس المارونية، وخلّدوا إنجازات باهرة ورائعة. هكذا كان المطران الجميّل، يقود مسيرة الإصلاح والتجديد، والبناء والخدمة، بجرأة ووضوح وثقة وشغف وبراعة.

عاصر عدّة باباوات وعدّة بطاركة موارنة، وعمل وتعاون مع كهنة وعلمانيين، ورهبان وراهبات، فصبّ كلّ جهوده ونشاطه ومسؤوليّاته ومهامه بأن يحقّق متطلّبات كثيرة، بطريقة عملانيّة تطبيقيّة، بعيدًا عن التنظير والأوهام، بل بواقعيّة ودراية وإتقان، رغم المراحل الصعبة والظروف الدقيقة والهموم الملحّة!

أحبّ الكنيسة المارونيّة، بتاريخها وقدّيسيها، بتراثها وطقوسها، بشعبها وتنظيمها، وخدم من كل قلبه وعقله، الإنسان والرعيّة والجماعة، فسعى سعيًا تامًا وصادقًا لتحقيق هذه الخدمة على المستويات كافة. فلم يهدأ أو يكلّ، بل عمل بكلّ قوّته وحكمته وعلمه وثقافته، في سبيل تحقيق هذه الخدمة لله والكنيسة أينما حل.

كان همّه الكنيسة كلّها: الكاهن والمؤمنين، الراعي والرعيّة، المقيمين والمنتشرين، العائلة والشبيبة، الكهول والناشئة، الجماعة وتنظيمها في مجمل حاجاتها وتطلّعاتها، همومها وطموحها، أفراحها وأحزانها، مداها وحدودها، الشعب المؤمن بكلّ أطيافه، الناس بكلّ فئاتها.

المطران بطرس الجميّل ذخرٌ لنا نكتنز منه، ومثال نقوى به، ومدرسة نتعلّم منها، ونحتاجه فعلاً، مرجعًا وهَديًا في كل الأزمان، لا سيّما في هذه الأوقات العصيبة المليئة بالصعاب والكثيفة بالضيقات والملبّدة بالأزمات. من دونه هناك شيء ناقص، حيث يعترينا اضطراب وضياع، وبُعد عن الأصل والتاريخ. إنّه لنا ميناء مشعّة ومتوهّجة، علّ الموارنة في عيد شفيعهم مار مارون، يذكرونه ويتذكّرونه، ومن خلال طيفه وأعماله ومنجزاته الرائعة، يهتدون بها الى طرقات آمنة، فيهدون بدورهم كلّ من ضلّ السبيل!

في عيد مار مارون 2023

روجيه عفيف، كاتب وباحث

Roger-afif@hotmail.com
[1]- دراسات معمّقة في التاريخ من الجامعة اللبنانية، أصدر كتابه الأول بعنوان:”الأعياد المريمية الثلاثة: سيدة الزروع والحصاد والكرمة، دراسة تاريخية-ليتورجية” (بيروت 2019)، كاتب وباحث.

Exit mobile version