
بعد مشاهدة الوثائقي الذي أعدته القناة الفرنسية الرسمية France 5 بعنوان “حزب الله: التحقيق الممنوع”، يظهر جليّاً أن الوثائقي لم يُجِب على توقعات ما رُوِّج له من قبل بعضهم عن غَوصه في كشف مآل التحقيق في تفجير مرفأ بيروت. كما أنه لم يستجب لتطلّعات وآمال المتمسكين بالعدالة المأمولة من الخارج والمنقوصة في لبنان. كذلك لم يُختم بالنهاية المنطقية السعيدة على ما تضمّنه من وقائع مثبتة بالأدلة والقرائن والاعترافات في تسجيلات صوتية حول مصادر تمويل الحزب وضلوعه في تهريب المخدرات وتبييض الاموال وتجارة السلاح عبر القارات.
في أجزائه الثلاثة، تطرّق الوثائقي لنشأة “الحزب” ونشاطاته مستعيناً بمقابلات مع نائب الأمين العام لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم الذي أعطى بعداً دينياً أخلاقياً، نافياً فيه أي علاقة للحزب بموضوع الرهائن وبالمخدرات وبتفجير المارينز والقوات الفرنسية.
في المقابل، ردت الأجزاء الثلاثة بشكل مباشر وغير مباشر على قاسم بتلمسّها حركة “حزب” في كارتيلات المخدرات وتجارة الأسلحة وتبييض الأموال وكيف تتبعت “ادارة العمليات الأميركية الخاصة لمكافحة المخدرات” والـ”سي آي إيه” طرقه في تلك المجالات عبر قارات أميركا وأفريقيا، وأوروبا وآسيا.. وكيف اخترقت شبكاته عبر العالم، لتظهر وثائق France 5 أن نشاط الحزب المخدراتي والتهريبي والتبييضي يسير في خط موازٍ مع مجهوده وجهاده الأمني والسياسي والعسكري، لا بل بخدمة هذا المجهود وذاك الجهاد ليصّب في نهاية المطاف في المصلحة الإيرانية العليا ولو أضرّت باللبنانيين في العالم بشكل عام وبالشيعة بشكل خاص.
هنا، وبعيداً عن الوثائقي، يستوقفنا تصريح للشيخ صادق النابلسي المقرب من “الحزب”، يؤكد ما سلف ويرد على قاسم، اذ اعتبر في حديث تلفزيوني في 24 نيسان من العام 2021 أن “التهريب على الحدود بين لبنان وسوريا هو لحماية المقاومة”.
خرق إدارة العمليات الأميركية الخاصة لمكافحة المخدرات و”السي آي إيه” حسب المقابلات، ومنها مع المسؤول في الـ”سي آي ايه” روبيرت بايير والرئيس السابق لإدارة العملياتِ الأميركية ديريك مالتز، كشف عن أسماء لمسؤولين في الحزب ومتورطين عاملين لمصلحته عبر العالم: عماد مغنية، ايمن جمعة، طارق العيسمي، علي خروبي، أدهم طباجة، علي فياض ومحمد نور الدين، ولن يكون آخرهم عبدالله صفي الدين شقيق القيادي في الحزب هاشم صفي الدين …
بعد اغتيال مغنية الرأس المدبّر والمدير لحركة “الحزب” تلك في الداخل والخارج، تمكنت الـ “سي أي إيه” وإدارة مكافحة المخدرات بعد الرصد والخرق، من أن تخطو خطوات كبيرة ومتقدّمة في رحلة تجفيف مصادر تمويل الحزب من خلال توقيف البعض وتجميد أصولهم. كما كانت الـ”سي أي أي” على طريق القضاء على الحزب مالياً وعلى المال المغسّل الذي كان عصبه، على ما ذكر الوثائقي في الانتخابات النيابية من العام 1992 وحتى 2022، كما في تمويل حربه في سوريا، والتي قال عنها قاسم في الوثائقي، “عندما قرر الإمام الخامنئي، رأينا أنفسنا مجبرين على أن ندخل الى سوريا، وفي المساعدات بعد حرب تموز 2006 وفي اجتياح 7 أيار2008″.
لكن كما في الثمانينيات عندما أثمر ابتزاز الحزب في موضوع الرهائن في لبنان، مردوداً سياساً واقتصادياً وعسكرياً لإيران من خلال تحرير أموالها المجمدة، الى تدفق السلاح الأميركي – الاسرائيلي عليها في حربها مع العراق، هكذا كان التحضير للاتفاق النووي والمصالح الاقتصادية لبعض الدول الغربية والعربية، بعد التوقيع على الاتفاق النووي والزيارات المتبادلة بين مسؤولي تلك الدول والمسؤولين الإيرانيين، وما نتج عنه من أثر سلبي على عمل الإدارة المذكورة، على ما كشف المسؤول في الـ”سي آي إه” في الجزء الثالث من الوثائقي… فاطلق سراح من ألقي القبض عليهم، وغُضّ النظر عن من ثبت نشاطه في كارتيلات المخدرات والسلاح وتبييض اموالها.
رُبَّ معتقدٍ، وعن حق، وطبعاً قبل المشاهدة، أن عنوان الوثائقي “حزب الله: التحقيق الممنوع”، إنما مقصود منه “الحزب” وكيف منع تحقيق المرفأ – وقد ختم منع التحقيق هذا في 6 شباط 2023 رحلته هذه، مع تأجيل المحقق العدلي في تفجير المرفأ القاضي طارق البيطار مرغماً، التحقيق مع المتهمين في التفجير الى أجل غير مسمى – ليتبيّن بعد مشاهدة ومتابعة الوثائقي أن مَن مَنَعَ وأوقف التحقيق في موضوع ضلوع “الحزب” في تهريب المخدرات والسلاح وغسل الأموال، هم أعداؤه المفترضون الافتراضيون ليقدّموا مرّة أخرى وبالمجان على طبق من فضة، براءة ذمة للحزب وللنظام الإيراني بعد ان كانا آيلين للسقوط والوقوع والافلاس.
.jpg)