
“نحن الذين لجأنا إلى المغاور والكهوف في عهد الظلم والظلام طِوال مئات السنين لِيسلم لنا الايمان بالله وعبادته على طريقتنا في هذه الجبال وعلى هذه الشواطئ ولتَبقى لَنا الحُريّة التي إذا عُدمناها عدِمنا الحياة”، يختصر هذا القول للبطريرك الماروني الراحل الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، تاريخ الموارنة وحياة القديس مار مارون الذي نحتفل بعيده اليوم.
يظن كثيرون أن مار مارون، عاش في لبنان واختبأ من الاضطهاد في صوامعه وبين صخور جباله، لكن واقع الأمر عكس ذلك، فهذا الراهب السرياني المتنسك، عاش في شمال سوريا بالقرب من جبال طوروس قرب انطاكيا، في عهد الإمبراطورية الرومانية، في منتصف القرن الخامس للميلاد، وكان يقضي معظم أوقاته في العراء متعبداً لله، حتى صنّفه المؤرخون في خانة مؤسسي مدرسة التنسّك التي سار عليها أيضاً القديس سمعان العمودي. يحيط الغموض بحياة أب الطائفة المارونية، وتندر المراجع والوثائق التي تتناول حياته، لكن المؤرخين يرجحون أن يكون قد توفي في العام 410، كما يرجحون أن يكون دفن جثمانه في براد (بَرَدَ) في سوريا، وقد كرّمه أهالي المنطقة ببناء كنيسة على اسمه، لم يبقَ من آثارها الكثير. في ما بعد، نقلت رفاته الى دير مارون على ضفاف العاصي.
بعد الاضطهاد الذي لاقاه الموارنة من الفتح الاسلامي والحكم العبّاسي، لجأوا الى لبنان قادمين من سوريا حباً بالمحافظة على حرّيتهم في التعبير عن إيمانهم واستقلالهم. وكان هذا النزوح في بداية القرن الثامن عن طريق العاقورة – جرود جبيل، وطريق جبّة بشرّي – الشمال. تخريب دير مار مارون على ضفاف نهر العاصي في سوريا إثر مجزرة أودت بحياة 350 راهباً من رهبانه، بدّل التاريخ، إذ لجأ عدد منهم، وفي مقدمتهم يوحنا مارون إلى جبل لبنان، وكان أوّل البطاركة الموارنة، لتنتقل بعدها البطريركية من العاصي الى كفرحي البترون، فيانوح وإيليج وقنّوبين والدّيمان وبكركي.
هكذا بدأت قصة الموارنة في الشرق ولبنان، الذي شكل موارنته صمّام أمان هذا البلد والمدماك الأساسي في بنائه. لم يكن الموارنة يوماً جماعة عابرة اختبأت من الظلم والتنكيل، إنما مجموعة صلبة نسجت انتماءها لهذه الأرض التي كانت عبر التاريخ صومعة الرب، بالحرية، وجعلت من لبنان دولة حديثة ديمقراطية، تحترم الاختلاف وتقدس الانتماءات المختلفة. لم يبنِ موارنة لبنان دولة على قياسهم إنما أرادوها دائماً وأبداً لجميع شركائهم، دولة حرة سيدة مستقلة، يحكمها القانون وتتحكم بها النزاهة.
ولمن “يفلفش” في تاريخ موارنة لبنان… إنه باختصار تاريخ الإصرار والصمود اللافت. نعم، كان يمكن للموارنة أن يتحولوا الى جماعة هامشية، لا دور لها ولا قرار، تماماً كجماعات أخرى في المنطقة، لكن من يحفر الصخر، ويسكن الجبال كي لا يتنازل عن قناعاته ومبادئه لن ترهبه المخططات وحروبها، انما ستزيده قوة وإصراراً على التمسك بمشروعه في بناء الدولة. وإذا كان البابا يوحنا بولس الثاني وصف لبنان يوماً بوطن الرسالة، فهذا بفضل تنوعه الطائفي وانفتاحه الذي ترجمه الموارنة عبر التاريخ غير مميزين، حتى عندما كانوا في عزّ قوتهم، بين لبناني وآخر.
لبنان من دون مكوناته كلها، والموارنة من صلبهم، لن يكون لبنان، بل طيراً مكسور الجناح يحلق بصعوبة، ولا بديل لنا اليوم، سوى العودة الى جذورنا فنتعاون ونتعاضد لخير مجتمعنا وعيشه بكرامة، فنصرخ موحدين “نعم للبنان الدولة، نعم للبنان الانسان”.
