#dfp #adsense

“القوات” من المارونية الى اللبنانية  

حجم الخط

مع ان أب الطائفة المارونية القديس مارون الذي يُصادف عيده اليوم، كان ناسكاً زاهداً لم يؤمن يوماً بالسلاح بل بالتقشف والصلاة والخشوع، غير ان الأخطار والتحديات والاضطهادات التي لحقت بشعبه الماروني منذ الأزمنة الأولى للمارونية بسبب عقيدته الايمانية، واجبرت الموارنة للتحصّن في الجبال الوعرة، قد اضطُرّت هذا الشعب منذ بداياته الى حمل السلاح بيد، ومسبحة الصلاة والمعول باليد الثانية، عاملاً بالعول على استصلاح الأراضي الصخرية الصعبة التي وفرّت له الملجأ الآمن من الإضطهادات، متمسكاً عبر الصلاة والمسبحة بإيمانه الصلب بوجه الهرطقات والاغراءات، ومحافظاً بالسلاح على وجوده الحرّ الذي يحفظ له ملجأه وإيمانه، بوجه كل محاولات التركيع والإخضاع التي تعرض لها عبر تاريخه المديد.

لم تخلق “القوات اللبنانية” في العام 1975 كمقاومةٍ لبنانية من العدم، بل جذورها ضاربة في التاريخ الماروني واللبناني.

فاعتباراً من القرن السادس للميلاد، وبالتزامن مع الفتوحات الإسلامية لبلاد الشام جاء الروم البيزنطيون بـ 12 الف مقاتل من بر الأناضول ووطّنوهم في سلسلة الجبال الممتّدة من جبل لبنان حتى جبال امانوس في تركيا اليوم للدفاع عن هذه الأراضي التي كان يقطنها الموارنة، وعُرف هؤلاء المقاتلون بـ “المردة-الجراجمة”، وكانوا بمثابة سدٍّ يفصل منطقة الداخل في البقاع التي تسيطر عليها الخلافة، عن الشواطئ والمدن الساحلية التي كانت بيد الروم البيزنطيين.

وتفيد المصادر الإسلامية والبيزنطية بأن “المردة الجراجمة” كانوا أحيانا يستخدمون الهجوم لأغراض الدفاع، فيغيرون على مواقع الخلافة في البقاع انطلاقاً من السلسلة الغربية لجبال لبنان، وقد بلغت غاراتهم اشدّها في عهد يزيد بن معاوية، وابنه معاوية الثاني (683م) عندما كانت الخلافة الأموية مُنشغلة بثورة الإمام الحسين بن علي في العراق.

وقد ذهب مؤرخو الموارنة في العصور المتأخرة، ومنهم البطريرك اسطفان الدويهي المتوفي سنة 1710م، الى ان الموارنة و”المردة_الجراجمة” اندمجوا مع بعض وشكلّوا شعباً واحداً على مرّ العقود والسنين، ووافقه في ذلك الى حدٍ ما بعض المستشرقين المعروفين الذين جعلوا من هؤلاء عنصراً اساسياً في تكوين الموارنة.

لقد اعتبر البطريرك الدويهي ان هذا التنظيم العسكري كان بقيادة البطريرك الأول للموارنة يوحنا مارون الذي نقل مركزه عام 685م الى جبل لبنان، واستقّر في قرية كفرحي من بلاد البترون بعدما تمرّد بدوره على سلطة البيزنطيين الذين لاحقوه الى جبل لبنان، فجرت معركة بينهم وبين القوات المارونية بقيادة المقدم ابراهيم، ابن اخت البطريرك، في بلدة اميون انهزم فيها عسكر البيزنطيين.

في السياق ذاته، يروي المؤرخ المطران جبرائيل ابن القلاعي بدوره، أن الموارنة اطلقوا مقاومةً مُسلحّة على الخلافة العباسية سنة 759م انطلاقاً من منطقة بسكنتا في اعالي المتن وتوجّوا ملكاً عليهم يُدعى الياس، وتمكنوا من السيطرة على اجزاء من البقاع قبل ان يتمكن حُكّام الخلافة في الشام من قتله بالحيلة في المكان الذي اصبح يُعرف نسبةً اليه بـ قب الياس، والذي هو اختصار لعبارة قبر الياس.

حمل الموارنة السلاح منذ الأزمنة الأولى للمارونية في لبنان دفاعاً عن جبالهم، ومن اجل الحفاظ على الصفاء الإيماني والمجتمعي، بحسب مفاهيم تلك العصور، كما ورد في المصادر التاريخية المارونية الأولّية.

وخلال الحقبة الصليبية(1099-1291م) اعتبرهم المؤرخون الفرنج من اشجع المحاربين واسرعهم حركة، واقدرهم على رمي النشّاب، ومن العسكر الجيدين.

ومما قاله عنهم المؤرخ الفرنسي جاك دو فيتري المتوفي سنة 1240م:” هناك اناس فوق هضاب لبنان في إقليم فينيقيا على مقربة من مدينة جبيل، غير قليلي العدد، مدربون، بارعون في استعمال القوس والسهم والحروب واسمهم الموارنة”.

وبدوره قال غيوّم اسقف مدينة صور الصليبي: “بأرض فينيقيا ومدينة جبيل اناس سريان…على قدرٍ كبير من الشجاعة والبراعة في الحرب والفروسية، كانوا عوناً كبيراً لجيوشنا في معاركهم ضد الأعداء”.

وفي القرن الثالث عشر دارت معارك لمدة سبع سنوات بين الموارنة بقيادة المقدم بولس والأمير مسعود من جهة، وبين عساكر الخلافة من جهةٍ ثانية.

وفي الفترة ذاتها اندفع ثلاثين الف مقاتل يُشكّلون عديد الفِرق العسكرية للموارنة بقيادة قادتهم المقدمين: خالد من مشمش، وسنان وسليمان من ايليج، وسعادة وسركيس من لحفد، وبنيامين من حردين، وعنتر من العاقورة، لمحاربة عساكر المماليك في موقعتي الفيدار والمدفون، بحيث ظفر الموارنة في المعركة كما يقول ابن القلاعي.

من جهةٍ ثانية، يبدو ان صعوبة التواصل والاتصال في تلك الأزمنة قد دفعت الموارنة لاعتماد لامركزية عسكرية، بحيث كانت كل بلدة كبيرة او تجمّع قرى تُنشىء تنظيمها العسكري الخاص بقيادة مُقدّمها.

غير انه في فترةٍ لاحقة توحّدت القيادة العسكرية تحت قيادة مُقدّمٍ واحد هو مقدّم بشرّي الذي اصبحت رقعة صلاحياته تشمل منطقةً مارونية بكاملها، وهي منطقة الجبّة التي ارتبطت بها المقدميات الأخرى الأصغر منها او الأقل اهمية.

كانت عملية تثبيت القائد العسكري للموارنة، كما حصل مع مقدّم بشري في ذلك الحين، تتمّ من خلال تلاوته قسماً امام رجال الدين الموارنة والشعب يتضمّن عهداً بألاّ يحيد عن خط الإيمان، وبألاّ يستعين بغير مسيحيين ولا يُسكِن هراطقة في منطقته خلال ولايته، ومن وُجد انه هرطوقي يوجب ان يُذيقه الموت بحدّ السيف.

كما كانت منطقة نفوذه تمتد من بلدة حردين في اعالي البترون الى قرن ايطو في اهدن، وكان يتمتع بسلطة دنيوية، ويحظى برتبةٍ دينية هي رتبة الشدياق في آن، وكان ولائه وطاعته لسلطة الكنيسة المارونية.

على ان لفظة مقدّم من فعل تقدّم، اي كان في مقدمة الناس في الحرب كما في السلم، وهي تدل على رتبةٍ عسكرية كانت مُعتمدة في تراتبية الجيوش المملوكية.

وهكذا كان المُقدّم، بنظر الموارنة، الموطّد للدين، التقي العفيف، منجد الفقراء ومُنصف المساكين ومُشبع الجائعين، ورافع راية الصليب، والقائد العسكري، والقاضي العادل الذي يخدم بسلطته الدين والدنيا.

لقد تزامن إعادة نشر مخطوطة المطران ابن القلاعي التاريخية على يد المطران بطرس الجميّل في شباط 1982، مع صعود نجم بشير الجميّل والقوات اللبنانية في لبنان، بحيث ان الأب الجميّل سبق له وأوقف الإعداد للنشر بسبب بعض النقاط الطائفية الحسّاسة التي وردت في مخطوطة ابن القلاعي التاريخية كما قال، مُضيفاً ان هذا المخطوط الذي يعود الى اواخر القرن الخامس عشر “يرسم صورة الأبطال والشجعان الذين دافعوا عن الوطن بإيمان وبسالة ويُخبر اخبارهم بنفس شعري ملحمي حماسي يُلهب مشاعر الناس ويدعو الجميع الى التشبّه بهم والى إتباعهم في مسيراتهم الحربية، من ضيعة الى ضيعة، ومن جبل الى جبل، ويُصوّر القادة وكأنهم منحة من السماء، يتبسّط في قصصهم كيف وضعوا الخطط العسكرية وكيف نفذوها وكيف حالفهم النصر في الدفاع عن الوطن…

ومن يقرأ ابن القلاعي في وصفه الملاحم الوطنية في القرون الوسطى يخال نفسه وكأنه يعيش ايام المقاومة اللبنانية خلال حرب 1975، كما انه يعرف كم ان التاريخ هو الحاضر في كل زمان ومكان.

كان من الواضح ان ايديولوجية القوات العسكرية المارونية بدأت اعتباراً من اواسط القرن الخامس عشر تتطوّر باتجاه مزيدٍ من الاعتدال والواقعية.

فمن التشدد الذي اظهره هذه الفِرق تجاه غير المسيحيين حتى القرن الرابع عشر، اي عند بداية قدوم المماليك الى لبنان، بدا ان الحقبة المملوكية التي تلت قد شهدت انفتاحاً تجاه المسلمين وخصوصاً في طرابلس، بحيث اضحى المقدم صلة الوصل بين الطائفة كجماعة وبين السلطة الاسلامية، وبات تولّيه منصبه خاضعاً لاعتراف هذه السلطات.

كما يبدو ان علاقة القادة العسكريين الموارنة بالحكام المسلمين اصبحت ممتازة في تلك الفترة، لدرجة ان الكثيرين منهم صاروا يتسّمون باسماء عربية وإسلامية مع احتفاظهم جميعهم بديانتهم المسيحية.

اعتباراً من القرن السادس عشر، ومع تولّي الأمير فخر الدين الكبير مقاليد الحكم في جبل لبنان بدا ان القوات العسكرية المارونية تنخرط في إطارٍ عسكري اكثر تنوعاً، بحيث ان الأمير المذكور انفق ميزانية كبرى على الجيش، وكان يدفع رواتب شهرية مُحددّة للجنود، وقامت سياسته الدفاعية على بثّ روح الإلفة بين الطوائف اللبنانية، وقد تألف جيشه من العنصرين الأساسيين في الجبل:الموارنة والدروز، بالإضافة الى فرقتين من المسلمين من الجنوب والبقاع، وبعد سنة 1627 تشكّلت فرقة من الروم الملكيين.

من الواضح ان الأمير فخر الدين كان قد سيطر في اواخر عهده على كامل الأراضي التي تُشكّل لبنان اليوم، وهذا ما جعل الكثير من المؤرخين يتحدّث عنه بوصفه المؤسس الأول للدولة اللبنانية. وقد نظر المسيحيون اليه كبطل قومي لبناني من القرن السابع عشر، ونظر المسلمون اليه كبطلٍ وطني مقبول لديهم.

غير انه اعتباراً من اواخر العهد الشهابي في اوائل القرن التاسع عشر، بدا وكأن كل مجموعة طائفية تعود الى قواتها العسكرية الخاصة، لاسيما بعدما اراد الأمير بشير الثاني القضاء على الزعامات الطائفية الوسيطة التي تقف حائلاً بينه وبين توحيد كل اطياف الشعب اللبناني تحت حكمٍ وطني واحد، متسلّحاً بالقوات العسكرية المارونية بشكلٍ اساسي.

فوقع القتال بين مسلحي الطوائف اللبنانية في معظم ارجاء الجبل بدءاً من 1840 ثم 1860، بحيث كان يوسف بك كرم يجمع قواه ويُنظّم ميليشياته في كسروان، ونظّم اهالي جزين المسيحيون بدورهم قواهم المسلحة، وكانت هناك قوة مسلحة تعدادها 15 الف مسلح ماروني يعسكرون قرب زحلة للدفاع عنها.

مما لا شك فيه ان الجيش المتنّوع طائفياً الذي انشأه الأمير فخر الدين في فترة الإلتقاء الطائفي حول الفكرة الأولى للكيانية اللبنانية المُمأسسة في القرن السابع عشر، تفرّق اواخر عهد الأمير بشير الثاني الى قوى طائفية تقاتل للحفاظ على امن وحرية طوائفها، خلال فترة الإنغلاق والأخطار المتعددة المصادر.

ويبدو تبعاً لذلك، ان المسار التاريخي للتنظيم العسكري الماروني كان يصّب في اتجاهين: الإتجاه الوطني مع الأمير فخر الدين، وصولاً الى ثورة الأرز ولبنان ال 10452 والذي تمثّله القوات اللبنانية بوصفها المقاومة اللبنانية للدفاع عن لبنان وكل اللبنانيين وبناء الجمهورية القوية في زمن السلم، والاتجاه المسيحي مع يوحنا مارون وصولاً الى المناطق الشرقية الحرّة، والانطلاق منها لتحرير كل لبنان، والذي مثّلته القوات اللبنانية بوصفها المدافع عن المسيحيين زمن الأخطار والحرب على اعتبارهم الفئة اللبنانية الأساسية التي كانت الأكثر عرضة لخطر الإبادة، والتي احتضنت نواة المقاومة اللبنانية وقتذاك، قبل ان يعود الى احتضانها اليوم غالبية اللبنانيين.

وفي حين بقي العلم اللبناني مرفوعاً مرفرفاً على مقرات القوات اللبنانية منذ 1975، على الرغم من انهيار كل شيء يرمز الى لبنان، كان “الصليب المشطوب” مع عبارة “بك ننتصر” والمُستوحى من شعار القوات العسكرية المارونية كما هو منقوش فوق كنيسة ايليج في ميفوق منذ العام 1277، والمُذيّل بالعبارة السريانية: “بك نقهر اعدائنا ولأجل إسمك نطأ مُبغضينا”، تتخذه “القوات اللبنانية” رايةً لها الى جانب الأرزة اللبنانية، وتتخذ من البطريرك يوحنا مارون رمزاً مسيحياً للمقاومة التاريخية، التي عادت واثمرت هوية لبنانية جامعة اليوم.

لقد اعتبرت “القوات اللبنانية” على الدوام حلقةً من سلسلةٍ عسكرية لم تبدأ في العام 1975، وإنما منذ القرن السابع الميلادي وصولاً الى الى مقاومة كل ما يريد إضعاف لبنان اليوم.

فالقائد الأول للقوات اللبنانية هو البطريرك يوحنا مارون، وانطلاقتها لم تبدأ في العام 1975 بل منذ زمن الأجداد، ولكن بعدما قررت القوات اللبنانية التحوّل الى حزب سياسي، ومقاومة سلمية سياسية بعد اتفاق الطائف والانخراط في اعادة بناء الدولة مع الشريك المسلم ضمن الوطن اللبناني الواحد، اصبحت القوات اللبنانية امتداداً طبيعياً ايضاً للإرث الوطني الجامع المدافع عن الكيان اللبناني الذي بدأ مع الأمير فخر الدين، ولم يُكتب له النجاح إلا مع تأسيس دولة لبنان الكبير، وهو ما تسعى القوات لتكريسه اليوم من خلال مقاومتها السلمية وخطابها الوطني المعتدل والتلاقي مع كل اللبنانيين السياديين لبناء دولة الإنسان والحرية والمؤسسات والسيادة والاعتدال في لبنان.

لقد شكّلت “القوات اللبنانية” تبعاً لذلك العصب التاريخي المقاتل للمسيحيين في ازمنة الأخطار والحروب ليس للدفاع عن المسيحيين فحسب بل عن كل لبنان، كما شكلّت في زمن السلم مقاومةً وطنية جامعة لبناء الجمهورية القوية، في حلقةٍ جديدة من سلسلة المقاومة التي بدأت مع يوحنا مارون، وتتالت مع الأمير فخر الدين، ولاحقاً مع بشير الجميّل، وتستمر اليوم مع الدكتور سمير جعجع، ولا تنتهي الا بانتهاء الاخطار التي تتهدد كل اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين، وقيام دولة المؤسسات والعدالة والحرية في لبنان.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل