Site icon Lebanese Forces Official Website

اجتماع بكركي إن حصل

إذا رسا الرأي والقرار على عقد اجتماع لجميع النواب المسيحيين ال٦٤ في بكركي، عملاً بتوصية مجلس البطاركة والأساقفة، يُفترض أن تكون الدعوة إليه محصّنة بضمانات تكفل نجاحه، فلا ينعكس فشله في اتجاهاتٍ ثلاثة:

على الاستحقاق الرئاسي أولاً، وعلى بكركي وهالتها التاريخية والوطنية ثانياً، وعلى تنصّل قوى التعطيل الفعلية من مسؤوليتها ثالثاً، من خلال رميها تبعة الفشل على خلاف المسيحيين وانقسامهم.

لهذه الأسباب المتداخلة، يجدر التأني في تقدير الدوافع لعقد الاجتماع، فلا تتأثر من جهة برغبة راكبيّ الموجات في تعويم أنفسهم، ولا تستخف باحتمالات استخدامه لأهداف خاصة وشعبوية.

كما يجدر التبصّر في ارتدادات تظهير الخلافات والصراعات، وتعميق التنابذ بين القوى المدعوة، كتلاً وأحزاباً وتيارات ومستقلين.

وبناء على هذه الحيثيات والمحاذير، يتوجب وضع آلية ديمقراطية مسبقة وواضحة يتعهّد جميع المدعوين التزامها والعمل بنتائجها. ويمكن اقتراح خطوط هذه الآلية، الخاضعة طبعاً للتعديل والتطوير، وفقاً للسياق الآتي:

– إشتراط حضور ثلثي عدد النواب كحدّ أدنى، أي ٤٢ نائباً، مع التأكيد على أهمية حضور النصاب كاملاً (٦٤).

– عدم الغوص في المواصفات والتوصيف، بل الاكتفاء بالمواصفات التي وردت في عظات البطريرك وبيانات مجلس المطارنة، لئلّا يتم استهلاك الوقت بالردح السياسي غير المجدي.

– ضبط المداخلات ببضع دقائق لكل طالب كلام، وبالتساوي بين الكتل والمستقلين.

– الانتقال إلى الآلية الديمقراطية في طرح أسماء المرشحين، وبالتساوي أيضاّ بين الكتل كبيرها وصغيرها، والمستقلين أفراداً أو مجموعات، بحيث تسمي كل كتلة أو مجموعة أو مستقل مرشحاّ واحداً.

– بعد جمع الأسماء يبدأ اقتراع الحاضرين، ويجري فرز النتائج وفق نظام التصفيات.

فعلى سبيل المثال، لنفترض أن هناك ١٢ إسماً مطروحاً، تنتهي الدورة الأولى للاقتراع ب٨ نالوا العدد الأعلى، ثم ٤ في الدورة الثانية، ف٢ في الثالثة، وصولاً إلى حسم الإسم الأول الذي ينال أكثرية الأصوات.

– يلتزم الجميع نتيجة الاقتراع عملياً في الجلسة العامة لمجلس النواب، وبالشراكة الوطنية الكاملة مع سائر المكونات الحزبية والسياسية والطائفية، مع احتفاظ كل طرف من خارج اجتماع بكركي بحق المعارضة أو الامتناع، فيكون إذذاك انتخاب الرئيس الجديد للجمهورية ثمرة ما يُعرف ب”الديمقراطية التوافقية”، أي اقتران الديمقراطية بالميثاقية أو الشراكة.

قد يقول قائلون إن المسيحيين يفرضون بذلك رئيساً على سائر اللبنانيين.

لكنّ هذا القول لا يستقيم، طالما أن الانقسام الذي يعطّل الانتخاب ليس طائفياً بل سياسي وطني، لأن هناك تحالفات عابرة للطوائف والمناطق ضمن الفريق السيادي والإصلاحي تسبق اجتماع النواب المسيحيين في حال انعقاده، وتستمر بعده، وكذلك ضمن فريق “الممانعة” حيث يوجد تشكيل طائفي ولو محدود.

ثمّ، كيف يصح القول بفرض المسيحيين رئيساً على الآخرين، إذا كان هؤلاء الآخرون يدأبون على رمي المسؤولية على الخلاف المسيحي المسيحي؟

كل هذا يؤكّد أن التعطيل يتم من خارج الخلاف بين المسيحيين. ولعلّ اجتماع بكركي يكون، في حال انعقاده على الأسس الواردة أعلاه، خير برهان أن المأزق يكمن في مكان آخر، خارج بكركي وخارج الصراعات التقليدية بين القوى المسيحية والمارونية تحديداً، والتي ترتبط بعمر لبنان الكبير، بل قبله بعقود وقرون، ولم تكن يوماً عائقاً أمام قيام دولة الاستقلال ونهوض مؤسسات دولتية رائدة في الشرق، قبل أن تنسف المشاريع الدخيلة والأطماع والحروب ما بناه أولئك المتَّهمون اليوم بتعطيل الرئاسة وقيامة لبنان.

بل كان خلاف المسيحيين حافزاً للمنافسة الديمقراطية، وقدوة للتنوع لدى سائر الطوائف.

هذه هي الحدود الحقيقية لائتمان بكركي والبطريرك الراعي على الملف الرئاسي.

فانعقاد الاجتماع فولكلورياً، أو عدم انعقاده، لا يغيّران شيئاً من المخطط المرسوم لتفريغ لبنان من ذاته ومعناه ورسالته.

وحده، إجتماع مدروس ومحصّن بالديمقراطية والنيات الصافية، ومضمون النتائج الإيجابية، كفيل برسم مسار صحيح للخروج من النفق.

ومن هنا، وتحت ضغط التعقيد والتجميد والشلل، يأتي التفكير والسعي نحو صيغة حياة قابلة للحياة، وكل الأمور مفتوحة.​

Exit mobile version