ولّى زمن الترقيع

حجم الخط

منذ تأسيس لبنان، واللبنانيون يعالجون المشاكل والتحديات البنيوية التي تواجههم، لا بالتشخيص الصحيح، وطرح الاشكاليات بعمقها واجتراح العلاجات الجذرية لها تبعاً لذلك، ولا من خلال ضبط المفاهيم السياسية والدستورية بدقة، وقول الحقيقة تبعاً لذلك، مهما كانت صعبة، انما بالترقيع وعلى طريقة ابو ملحم.

فانطلاقاً من قانون لافوازيه الذي يعتبر بأن “لا شيء يختفي، لا شيء يوجد من العدم، كل شيء يتحوّل”، تراكمت كل المشاكل والاشكاليات التي تم القفز فوقها، او تجاهلها، او معالجتها على طريقة ابو ملحم، او حتى معالجة مشكلة سطحية مغايرة للمشكلة الحقيقية التي يتوجب معالجتها بالأساس، وتحولّت كلها الى صواعق تفجير كبيرة انفجرت في وجه لبنان دفعة واحدة، مثلما حصل عامي 58 و75، ومثلما هو حاصل اليوم.

في البدء كانت دولة لبنان الكبير، والتي ادخل المسيحيون المسلمين اليها عام 1920، لا بإرادتهم الحرة ورغبة الغالبية منهم، وإنما بموازين قوة الانتداب الفرنسي، وعلى الرغم من ان نوايا البطريرك الحويك وغاياته كانت خيّرة، وسليمة، وتصب في مصلحة كل اللبنانيين، غير ان تجاهل ارادة الشريك الآخر والقفز فوقها، حتى ولو لمصلحته، كان اختراعاً لأول إشكالية بنيوية منذ ذلك الحين.

وعندما ضعفت فرنسا في موازين القوى الدولية، واصبحت على وشك الخروج من لبنان عام 1943، أصبح اللبنانيون، مسلمين ومسيحيين، بتناقضاتهم كلها، وجهاً لوجه امام بعضهم البعض، في نظامٍ وحدوي فصّله الانتداب الفرنسي بما يتناسب مع دولةٍ متجانسة ومستقرة كفرنسا، لا دولةٍ تعددية تحكمها موازين قوى طائفية وداخلية واقليمية دقيقة ومتحركة، كلبنان.

معالجة المشكلة التأسيسية للدولة ونظامها اللبناني التي نشأت برحيل فرنسا، على اعتبارها القوة الضابطة للموازين اللبنانية والحائلة دون تفلّتها، لم يتم حلّها جذرياً، بل بالترقيع.

عشية خروج الانتداب لم تكن صيغة الدولة الاتحادية المركبّة معروفة بعد لدى الانتليجنسيا اللبنانية في ذلك الحين، باعتبار ان الدول الغربية، التي تأثرت هذه الانتلجنسيا بثقافتها، قامت بمعظمها وقتها على مفهوم الدول القومية الموحدة، والفكر السياسي الشائع حينها كان الفكر القومي، متقدماً على الفكر الديني بأشواط.

فكان تركيز تلك الانتلجنسيا على فكرة القومية اللبنانية الواحدة للشعب اللبناني، بمواجهة القومية السورية والقومية العربية، اعتقاداً منها ان ذلك يُكرّس نهائية الكيان اللبناني، ويحفظ وحدة الأرض والشعب والمؤسسات، ويُذيب اي اختلافاتٍ دينية بين اللبنانيين، لصالح وحدة الهوية القومية اللبنانية.

لذلك تم ابتداع صيغة “التوافقية” عام 1943، ولكن في دولة مركزية موحدة لا مركبة، وفي نظامٍ وحدوي لا لامركزي، علماً ان “التوافقية” الفعلية هي في حقيقتها الترجمة المباشرة لتعددية المجتمع، في دولةٍ مُركبّة، لا موحدّة؛ وهي الحاصل الإيجابي لا السلبي، لجمع كل الارادات المتعددة التي ارتضت العيش معاً بحريتها، فوق اقليم جغرافي مُعيّن، وذلك للخروج بقرارٍ وطني واحد لا يمّس المصالح الذاتية لأي مكوّن تعددي فيها، تحت طائلة رفع الطرف المتضرر للفيتو، الممنوح له بحسب قواعد التوافقية، على اي قرارٍ من هذا النوع.

امّا “التوافقية” في دولةٍ مركزية كلبنان، وفي نظامٍ وحدوي كالنظام اللبناني، فلم تكن تعني سوى التناقض الجدلي بين وحدوية النظام ومركزية الدولة من جهة، والتي تتناسب مع مجتمع متجانس لا مركب، وبين آلية اتخاذ القرارات داخل هذا النظام بـ “التوافقية” لا بالأكثرية، والتي تتناسب مع مجتمع تعددي ودولةٍ مركبة، لا دولة مركزية ونظام وحدوي!!

هذا التناقض الجدلي الكبير كان يؤدي في حالات التصادم الى تعطيل مؤسسات الدولة وصولاً الى الحرب الأهلية، ويؤدي في حالات الاستقرار، الى معالجة المشكلات بالترقيع، والتكاذب الوطني، ومبدأ “الصبر والاحتمال” بانتظار تبدل الموازين الداخلية والاقليمية، للإنقلاب على ما اُجبر طرفٌ ما على القبول به قبلاً عن غير قناعةٍ فعلية.

ما يحصل في انتخابات الرئاسة اليوم، هو التلطي خلف التوافقية، وإنما لإفراغ المؤسسات الدستورية التي اُوجدت التوافقية في خدمة تسييرها اساساً!!

ليست “التوافقية” على الطريقة اللبنانية البدعة الوحيدة في لبنان، بل كل البدع والخزعبلات والتناقضات موجودة فيه حصرياً ايضاً:

من صيغة “لا غالب ولا مغلوب”؛ الى صيغة آحادية السلاح ولكن مع شرعنة السلاح الفلسطيني في اتفاقية القاهرة؛ وصيغة النظام البرلماني، ولكن مع اعطاء رؤساء الطوائف دستورياً حق الفيتو على قوانين في البرلمان؛ وثنائية الدستور والأعراف؛ ومعادلة الدولة الواحدة ولكن برأسين عام 43، ثم بثلاثة رؤوس (الترويكا) بعد الطائف؛ ومعادلة “جيش، شعب، مقاومة”، اي جيش شرعي وطني؛ وشعب واحد، ولكن في مجتمع تعددي وآلية اتخاذ القرارات توافقياً بالأساس، وميليشيا مسلحة غير شرعية وغير كيانية وغير وطنية، وتتبع لمجموعة حضارية واحدة دون سواها، ولكن مشرعنة بقوة الأمر الواقع، لا بقوة “التوافقية” اللبنانية؛ وأحزاب دينية ومسلحّة، وإنما في نظام “ديموقراطي برلماني” يقوم على مبدأ الأحزاب الديموقراطية المدنية بالأساس؛ ونظام ديموقراطي، ولكن لا يسمح بالإجمال سوى لطبقة سياسية إقطاعية تعتمد على مبدأ التوريث اللاديموقراطي بالدخول اليه؛ ودستور يقول بمجلس شيوخ طائفي، ويدعو في الوقت نفسه الى إلغاء الطائفية؛ ودولة مدنية تنبثق تشريعاتها وسلطاتها من الشعب لا المصادر الإلهية، ولكن في ظل استقلالية الطوائف في قوانين احوالها الشخصية، التي تنبثق من المصادر الإلهية لا المدنية؛ وبيانات وزارية تقول الشيء ونقيضه في الوقت ذاته؛ ونظام رقابة ومسائلة ومحاسبة وفصل سلطات ديموقراطي، ولكن مع تدخل السياسيين في عمل القضاء، وانتفاء اي مساءلة ومحاسبة منذ عشرات السنين؛ ودولة تقدّس السرية المصرفية ولكنها تسرق اموال المودعين؛ ونظام ديموقراطي ولعبة برلمانية ودولة مدنية، ولكن فراغها الرئاسي لم ينقذه سوى مرشحين عسكرييين؛ وثورة مليونية عارمة في 14 آذار ضد الاحتلال والسلاح، ولكن مع تركيبة اوصلت السلاح غير الشرعي الى التحكّم بكل الدولة؛ وثورة مليونية ثانية في 17 تشرين ضد الطبقة الحاكمة ومع الاصلاح والتجديد، ولكن مع تركيبة نفسها اوصلت الى صفر تغيير، لا بل الى مزيدٍ من التكريس للقديم؛ ودولةٍ فيها الآف الأدمغة والكفاءات العلمية واهم الأطباء والمهندسين والمتخصصين في الشرق والعالم، ولكنها خدماتياً وصحياً وانمائياً وكهربائياً وسيادياً هي اسوأ من اسوأ دولة في مجاهل الأدغال الأفريقية؛ ودولة قانون ومساواة وحريات بحسب مقدمة دستورها، ولكن مواطنيها ابن ست وابن جارية، وصيف وشتاء تحت سقفها الواحد، وقوانين تُطبّق بالعنف لأتفه الأسباب في مكان، وقوانين تُخرق على عينك يا تاجر في مكان آخر، وضرائب تستوفيها بالتمام والكمال والعنف “الشرعي” من مواطن، ولا تجرؤ على استيفائها من مواطن آخر؛ ورأي عام جارف يطالب بالتغيير ويشتم الطبقة الحاكمة والسياسيين التقليديين، ولكن تركيبة طائفية وسياسية واعلامية ومالية وخدماتية، لا تستولد إلا تقريباً نفس الأشخاص؛ ودولة نصف ابنائها في الخليج لإعالة عائلاتهم في لبنان، ولكن تركيبتها الحاكمة تعمل ليل نهار لتقويض استقرار تلك الدول؛ وسياسيون يهاجمون من يدعو الى تغيير تلك التركيبة المُهترئة معلنين تمسكّهم باتفاق الطائف، ولكن عندما كانوا في السلطة كانوا يُصيغون البيانات الوزارية التي تشرعن السلاح غير الشرعي، الذي يطعن اتفاق الطائف في الصميم؛ وسياسيون يُريدون الإبقاء على التركيبة الحالية بحجة حماية الطائف، ولكن التركيبة هذه، هي التي دقّت كل انواع المسامير في نعش الطائف، وليس اي تركيبة مستقبلية جديدة، لن تُولد بالاساس إلاّ لأن تحالف المافيا والسلاح قد قضت على ما تبقى من طائف، ولأن الطبيعة اصلاً لا تحب اي الفراغ؛ وطاولات حوار الطرشان بالجملة والمفرّق لحل الخلافات السياسية على طريقة ابو ملحم، واحياناً اخرى لمجرد “اخذ العلم”، ولكن في ظل مؤسسات دستورية ونظامٍ ديموقراطي يُفترض ان يكون وحده المرجع الصالح لحل كل الخلافات السياسية.

حتى ان الشخصية اللبنانية هي في حقيقتها شخصيتين، واحدة حقيقية وواحدة مزيفة، فالموروثاث الثقافية والتاريخية والتجارب المريرة عبر الزمن لدى اللبنانيين، زرعت في عقلهم اللاواعي مفاهيم مثل الذمّية، والتقية، والباطنية، بحيث انتجت هذه الخلطة المركبة شخصية مزدوجة لديهم: واحدة حقيقية وواحدة مزيّفة. المزيّفة هي ما يتحدث به اللبنانيون في العلن وامام الإعلام، وفي حضرة لبنانيين من طوائف ثانية؛ والحقيقية، هي ما يُضمِرونه حقيقةً، وما يتحدثون به في خلواتهم، وحلقاتهم الطائفية الضيقة.

هذه الشخصية المجتمعية المزيفّة هي التي انعكست على المستوى الوطني اعرافاً دستورية من خارج الدستور، وتقاليد سياسية من خارج المنطق، ومساومات، وتربيع دوائر، وتدوير مربعات، وعقليات زبائنية فاسدة مهترئة، وهي التي تُعبر عن مفهوم الترقيع افضل تعبير، كونها في زمن التلاقي تعمل وفق مقولة “صلحة تصالحنا ويللي بالقلب بعدو بالقلب”، ولكنها بنفس الوقت لا تنسى ما تضمره في القلب ابداً، بل تُرسل كل مشاعرها المكبوتة، وكل كلامها الذي لم يُقال الى منطقة “الظل”، وهو المكان الذي يُخفي فيه الانسان مشاعره المكبوتة، قبل ان تعود كل هذه المشاعر لتظهر دفعة واحدة، عند اقل ازمةٍ وطنية، على شكل مواقف تصعيدية طائفية تشهيرية، وافعالٍ تعطيلية، وصولاً الى حروبٍ اهلية لبنانية تظهر فيها الشخصية اللبنانية على حقيقتها البشعة، بدون اقنعة!

هذه التركيبة السياسية، النفسية، المجتمعية، الدستورية، والقائمة على الحلول الترقيعية لا الجذرية، هي التي تستولد الأزمات الواحدة تلو الأخرى، وصولاً الى ازمة اليوم، وهي نفسها التي اتاحت لسلاح المنظمات ان يقبض على الدولة اللبنانية قبل انهيار 75، ومن اتاحت لحزب الله القبض على الدولة اللبنانية قبل انهيار اليوم.

الوضع اليوم لم يعد يحتمل لا ترقيع، ولا رمادية، ولا مداراة خواطر، ولا تبويس لحى على الطريقة اللبنانية، بل حلول جذرية مستدامة تمتد لخمسين او مئة سنة للمستقبل.

وحتى نجترح الحلول الصحيحة، لا بد من التشخيص الصحيح ووضع الاصبع على الجرح، كما فعل بشير الجميّل ومعه الجبهة اللبنانية يوماً ما، بدون اي اقنعة او كلام مزيّف او قفز فوق الحقائق، او طمر الرأس كالنعامة.

صحيحٌ ان الأزمة الوجودية اليوم هي من طبيعة وطنية سيادية جامعة، لا من طبيعة طائفية، غير ان التاريخ اللبناني يُعلّمنا، منذ العاميات الوطنية غير الطائفية التي انتهت بمذابح طائفية عام 1840، مروراً بثورة الفلاحين المطلبية غير الطائفية، التي انتهت باقتتالٍ طائفي عام 1860، وصولاً الى التناقضات القومية والمطلبية غير الطائفية، التي انتهت بمعارك طائفية عامي 58 و75، هذا التاريخ يعلّمنا ان كل ازمة من طبيعة معيشية غير طائفية، قابلة للتحول الى ازمة طائفية اذا ما اصّر طرفٌ طائفي ما على التصدّي لها متحصناً بخلفيته الطائفية، تماماً مثلما يفعل حزب الله اليوم.

لذلك، وحتى لا ينجح المصطادون في الماء العكر بتحويل هذه الأزمة الى ازمة طائفية، يُفترض باللبنانيين وضع كلام الدكتور جعجع عن تغيير التركيبة الحالية في إطاره الوطني الجامع.

فقول الحقيقة ولو كانت غير مرُيحة للبعض، هي افضل بألف مرّة ممّا اوصلنا اليه الترقيع، وافضل بمليون مرة من صيغة التماهي بين الدولة والسلاح، والتوافقية بالإكراه بين الخير والشر، والحق والباطل، كما هو حاصل في تركيبة اليوم.

وليس في كلامه اي تصويب على الطائف، بل ملء الفراغ الكبير بين اتفاق الطائف كإطار نظري، وبين الانهيار الدستوري والسياسي والمجتمعي على ارض الواقع، بالحلول المناسبة، حتى يصبح النظري متكاملاً مع التطبيق، سواء سلباً ام ايجاباً، لأن البقاء في المنطقة الرمادية هي الموت البطيء بحد ذاته.

مقاربة الأمور بجذرية وتشخيصٍ دقيق هو احوج ما نحن بحاجة اليه، مسيحيين ومسلمين، من اجل اجتراح العلاجات الصحيحة، خدمةً لنا جميعاً. ومن افضل من الحكيم لكي يصف للبنان العلاج الصحيح، حتى يعود معافاً سليم.

امّا بعد، فأمام الجوع والقهر والموت عند مداخل المستشفيات، تسقط كل شعارات ابو ملحم التي اُعتبرت بمثابة تابووات وطنية يُمنع طرحها او التداول بها، تحت طائلة الجلد والرجم والسحل والتخوين.

وعندما يخسر اللبناني كل شيء بسبب تركيبة الاهتراء والتكاذب والتحايل ويصبح مصيره على المحّك، تهون امامه كل الاتهامات والعنتريات، ولا يعود لشخصيته المزيّفة اي محّلٍ من الصرف او الإعراب، بل يعود الى شخصيته الحقيقية، ويبدأ مع الحكيم، وبكل حكمة، البحث عن وضعية جديدة تُعيد له حريته وكرامته وحقوقه الأساسية، كونها الأولوية الوحيدة اليوم بالنسبة له، بعيداً عن الشعارات المزيفة التي اعتاد على سماعها منذ ان كان في المهد، وتأخذه اليوم بحقيقتها البشعة الى اللحد، بلا حول ولا قوة.

ليس بشير الجميّل وحده من قال الحقيقة مهما كانت صعبة، سمير جعجع يقولها اليوم ايضاً، بدون قفّازات، حتى ولو كانت أصعب.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل