اهمل السياسيون اللبنانيون في توقعاتهم او رهاناتهم على نتيجة لانعقاد الاجتماع الخماسي في باريس والذي ضم ممثلين عن فرنسا والولايات المتحدة والمملكة السعودية ومصر وقطر ان التدخل الايراني في العمق الاوروبي من خلال المسيرات التي وفرتها ايران لروسيا ترك تداعيات قوية على اوروبا يصعب عليها التهاون في شأنها. فحين كانت ايران تقصر تدخلها على العمق الاقليمي لدول المنطقة ، لم تكن هذه الدول الأوروبية تقيم وزنا كبيرا لتبعات ذلك فيما ان الموضوع كان بعيدا من حدودها وكانت الى حد كبير تعمد الى مسايرة ايران والتي كانت تشكل جزءا لا يتجزأ من معادلة ادارة العلاقات بين الدول العربية في المنطقة وايران . ولكن الامور اخذت منحى اخر وسياسيون ممن يتابعون الوضع الاقليمي تابعوا باهتمام المواقف التي اعلنتها وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا في جولتها الاخيرة على كل من السعودية والامارات العربية. ساهم ذلك في انعكاسات متعددة لم يكن لبنان بعيدا منها لا بل ارخى بظلاله على #اجتماع باريس اخيرا في ظل امرين مهمين : احدهما ان حجم التوقعات كان مبالغا به وهو بات على طريقة ان الغريق يسعى الى التمسك باي خشبة خلاص حتى لو لم تؤد فعليا الى ذلك وثانيا ان حجم التباينات لم يكن قليلا بين ممثلي الدول المجتمعين اضافة الى عامل التدخل الايراني الذي يضغط على اوروبا ولم يعد يساهم في تسهيل مسار العلاقات بينها وبين ايران .
زاد التشاؤم تبعا لذلك حول اي نتائج لاجتماع خماسي كان في الحد الادنى اقل بكثير من التوقعات التي عقدت عليه ما اعاد الكرة الى الداخل اللبناني فيما ان هذا الاخير لم يتقدم اي انملة في اتجاه تمهيد الامور او مساعدة الخارج على مساعدته فلم يقدم بصيص امل على الاقل بل بقي اسير مواقفه وعدم استعداد للخروج منها . وتاليا فان القوى السياسية لم تساعد انفسها او تساعد لبنان لكي تتيح للدول الصديقة ان تدعمهم ولا الظروف الخارجية ايضا تسمح بذلك . فهناك اشارات من القوى السياسية حول هذه الظروف ولكنها لا تسعى الى محاولة تجاوزها باهتمامها بالداخل فعلا . لا بل ان التباينات طاولت في شكل اساسي مقاربة الوضع اللبناني وفك التعطيل عبر مقترحات وافكار حول العقوبات ومدى امكان استخدامها ام لا . والعنصر الاهم هو ما استنتجته الدول الاوروبية من تلاعب ايران بالاستقرار الاوروبي وليس فقط بالاستقرار اللبناني او باستقرار المنطقة وهو الذي ساهم في تعديل المواقف على نحو كبير وانعكس في الموقف الفرنسي. وما يزيد من وطأة هذه النقطة ان ايران لا تبيع المسيرات لروسيا بل انها ايضا تأخذ سلاحا من نوع اخر من روسيا. وهذه النقطة ايضا تؤدي الى احداث متغيرات في الساحة الاقليمية في موازاة مسألة التلاعب الايراني بالاستقرار الاوروبي. وهذه المتغيرات ساهمت في جعل البعض على طاولة الخماسي الذي اجتمع في باريس اكثر ترددا فيما ان المفاوضات على الاتفاق النووي جامدة او ميتة سريريا ما ادى بمسألة التدخل الايراني في اوروبا تعقد الامور اكثر فاكثر . ومن هذه الزاوية بالذات لا ترى مصادر معنية ان مقاربة اجتماع باريس اخيرا يمكن من دون الاخذ في الاعتبار هذه المتغيرات الاساسية اضافة الى واقع ان القرار على الصعيد الاوروبي يستلزم مقتضيات بالغة الصعوبة يتعدى موضوع وجود عدد كبير من الدول في الاتحاد الاوروبي. وتاليا اذا كان ثمة رغبة في تسيييل هذه المتغيرات في الواقع اللبناني ، فانما يعني ان تمسك الثنائي الشيعي و” حزب الله” تحديدا برئيس تيار المردة سليمان فرنجيه غدا اكثر صعوبة لا سيما في ضوء التصريحات المتكررة للوزير والنائب السابق الذي اعلن من بكركي اخيرا وبالصراحة المعهودة لديه والتي لا يمكن لاحد انكارها انه يستطيع ان يأتي من الحزب وسوريا بما لا يأتي به احد مؤكدا على نحو مباشر ان موقعه يبقى في هذا المحور . وهو امر لا يسهل عليه الامور من ضمن السياق الاقليمي فضلا عن واقع عدم سهولة الامور بالنسبة اليه مسيحيا في الدرجة الاولى وسنيا ودرزيا كذلك على رغم صداقته مع نواب كثر .
واذا كان ثمة خلاصة من اجتماع لم يأت بالحد الادنى بما عول عليه كثر ان يأتي به ، وذلك تفاديا للقول بفشله، فانما باعادة الكرة الى الداخل اذا شاءت القوى السياسية ان تقر بواقع ان تعطيل الاستحقاق الرئاسي الحكومي تاليا سيدفع بالبلد الى انهيار من دون قعر له في الوقت الذي لا يمكن للدول الصديقة ان تواصل النظر الى لبنان والاهتمام في ظل انشغالات كبيرة واكثر اهمية . والمؤشر الابرز على ذلك هو رد الفعل الدولي على الزلزال الذي وقع في تركيا وسوريا اخيرا والذي كشف محدودية الاستجابة الدولية وطبيعتها كذلك . وقد لاحظ المهتمون ضآلة الاتصالات العربية والخليجية التي حصلت مع رئيس النظام السوري بشار الاسد في خضم مأساة انسانية اصابت الشعب السوري ما يجعل التساؤلات كبيرة اذا كان زعماء الدول الخليجية والعربية على استعداد لتقديم هدية للاسد ومعه ” حزب الله” في رئاسة الجمهورية في لبنان في الدرجة الاولى . فهذا امر سيكون صعبا جدا وغير محتمل حتى لو توجه وفد ” وزاري ” الى سوريا من لبنان للتطبيع مع الاسد بذريعة كارثة الزلزال ولوضع القدرات اللبنانية لمساعدته فيما ان لبنان مسخر على كل المستويات لمصلحة النظام السوري منذ سنوات طويلة وقبل الزلزال ومن دون الحاجة اليه .
