
أخطر الأمور المرفوضة إنسانياً وأخلاقياً، والتي لم تعد حتى مقبولة في الممارسة السياسية المكيافيلية، ان لا يتورّع المرء عن استغلال مصائب وكوارث ودماء الأوطان والناس لغايات سياسية أو حزبية أو عائلية أو شخصية كما جرى في التاريخ القديم والحديث مع الدكتاتوريات الكبيرة والصغيرة في العالم. لن يكون آخرها ما شاهدناه من محاولة استغلال رخيصة – ساهم فيها لبنانيون مع الأسف – لما جرى من تداعيات ونتائج كارثية على الشعب السوري من الزلزال الطبيعي منذ أسبوع والزلزال غير الطبيعي- ذو النتائج المضاعفة للطبيعي- المفتعل من النظام السوري منذ 12 عاماً.
لشرح طبيعة ممارسة هؤلاء في الإداء الاستغلالي، نعتمد توصيف العماد ميشال عون للنظام السوري في محاضرة له من واشنطن تاريخ 7 آذار 2003 إذ قال، “ان النظام السوري يلعب دور الإطفائي المهووس بإشعال الحرائق، فيزرع الفتن بين اللبنانيين حتى يؤمن الحاجة الى وجوده في لبنان”.
في هذه صدق العماد عون لأن النظام – اضافة الى ما فعله باللبنانيين – قام بنفس الشيء عند اندلاع الثورة في سوريا عام 2011، إذ أطلق قيادات “داعش” و”النصرة” من معتقلاته مسهّلاً مستسهلاً استغلالها للبقاء متربعاً على عرشه – المتنازع عليه روسياً وايرانياً واميركياً وتركياً- ولو على الجثث والأنقاض. اليوم يستبشر بشار الأسد وأتباعه وحلفاؤه خيراً بالزلزال الطبيعي الآتي من الحدود التركية ليعتبرونه فكّا للعزلة والحصار ولو على الدماء والدمار.
الإداء العوني في هذا المجال لا يبتعد البتّة عن اداء بشار فهو لم يتأخر يوماَ ولم يتقاعس في استسهال استغلال اي مصيبة او كارثة او جريمة للنيل من خصومه وللبناء عليها لتعزيز مصلحته الشخصية او الحزبية وحتى العائلية. فمن حربه التحريرية والتي كانت كارثية في نتائجها على اللبنانيين عامة والمسيحيين خاصة حيث لم يتردد ان يقول في 25 آذار 1989، “ان بيروت دمّرت سبع او ثماني مرّات ولا بأس إذا كان علينا ان نبني بيروت جديدة الآن فلتكن المرّة التاسعة”، مروراً باستسهاله استباحة بيروت ودماء اللبنانيين في 7 أيار 2008 حيث قال، “القطار أصبح على السكة الصحيحة” ووصولاً الى استغلال جريمة تفجير المرفأ إذ قال ما حرفيته في دردشة مع الصحافيين في 7 آب 2020، “تفجير 4 آب فك الحصار وستبدأ عملية إعادة الإعمار بأسرع وقت”.
ما بين هذه التواريخ، ثمة كمّ من الاشاعات التي أطلقها الممانعون والعونيون على الخصوم من قوى “14 آذار” الى حد كشفهم امنياً والتقليل من اهمية اغتيالهم وصولاً الى الشماتة بموتهم. ألم يتهموا جبران تويني بأنه في الخارج مع “صاحبته”؟ الم يحسبوا ويحصوا عدد نواب قوى 14 آذار المغتالين لـ”يقرّشونه” في مجلس النواب معارضة وموالاة. هذا ما حصل فعلياُ في انتخابات المتن الفرعية عام 2007 بعد اغتيال بيار الجميل في 21 تشرين الثاني 2006، اذ انتخب العوني الدكتور كميل الخوري مدعوما من الممانعة بدل الشهيد الجميل… وغيرها من الأمور البعيدة عن كل ما هو اخلاقي مبدئي.
ها هو المشهد يتكرّر اليوم حيث تهلل الممانعة وتستغل الزلزال في سوريا لتقوم بتطبيع اقتصادي انساني ترجم بالوفد الرسمي- الممانع لبشار الأسد ولتعلنها دعوة للعالم لفك الحصار عن النظام السوري المرتكب… أخرها ما قاله وريث العماد ميشال عون في الاستغلال هذه المرّة صهره النائب جبران باسيل في 6 شباط 2023، “الزلزال الذي ضرب سوريا يستوجب تضامناً انسانياً من روحية ميثاق الأمم المتحدة، يبدأ بفك الحصار عنها وفتح الحدود امام وصول المساعدات من كافة الدول وخاصة العربية منها”.
لكن فات باسيل ان ما ارتكبه النظام السوري بحق أبنائه السوريين وممتلكاتهم فاقت نتائجه الكارثية أضعافاً مضاعفة ما أنتجه الزلزال الطبيعي في سوريا… ولم يكلّف تياره وحلفاؤه أنفسهم يومها عناء الدعوة الى التضامن الإنساني المنبثق من روحية ميثاق الأمم المتحدة.
للخلاصة والختام والاستدلال وفي ذكرى ميلاد الفيلسوف والمفكر والدبلوماسي شارل مالك لم أجد أفضل من ما ورد في كتابه المقدمة: “قف، اصغ، احفظ، اشهد، والخطأ اما انك لا تقف، او اذا وقفت فلا تصغي، او اذا وقفت وأصغيت فلا تحفظ أو اذا وقفت واصغيت وحفظت فلا تشهد(…) اذا شاهدت الحق وعاينته ولم تشهد له، فكأنك لم تشاهده ولم تره. معرفة الحق في أي حقل او نطاق التعبير عنه، وإلا كان العارف به خائنا له(…) الشهادة للحق تقتضي قسطا غير عادي من الجرأة والاقدام، وهذان من أندر الأمور اليوم. الجو مشحون بالضغط والارهاب، والغالب في المقابل هو روح المساومة والتساهل الرخيص، هو المراءاة والنفاق”.
