#dfp #adsense

هل تصبح البلاد بلا مسيحيين؟

حجم الخط

لقد قيلَ إنّ المسيحيّينَ، وفي طليعتِهم الموارنة، هم كالخيطِ المرصوصِ الذي لا ينقطعُ بسهولة، وذلك، لأنهم حَجَرُ الزاويةِ في الإيمانِ بالربِّ، وبلبنان، ينعِشون معاجمَ الصّمودِ، وقد تجافاها كثيرون غيرُهم، فجفَّت مع هؤلاءِ قرائحُها. أمّا المسيحيّون فقد نَسَّبوا معها قرابات، وزَخَّروها بشرارةِ الأحاسيس، وبطقوسِ الفداء، وأسرفوا. ولكنْ، ماذا يجري، اليوم، وهلالُ المواجهةِ، مع المسيحيّين، يشهدُ كُسوفاً ؟

إنّ مقاربةً موضوعيةً لهذه القضية، تُلزمُ البحثَ، تحديداً، عن المسؤول، فهل المسيحيّون مُتَّهمون بإيصالِ حالِهم الى هذا الدّرك ؟، هل الآخرون غيرُ المسيحيّين، يعملونَ، جاهِدين، لإِخمادِ الوجودِ المسيحيِّ في الوطن، وبكلِّ الوسائل ؟، هل هناكَ مؤامرة، يشتركُ في نَسجِها بعضُ الخارجِ مع بعضِ الدّاخلِ، والمسيحيّون غافِلون عن خطرِها ؟؟؟

مهما كانتِ الإستنتاجاتُ من المقاربةِ، وبالرَّغمِ من اقتناعي بأنّ المسؤوليّةَ تقعُ على كلِّ العناصرِ المُشارِ إليها، آنِفاُ، غير أنّني أجزمُ بأنّ السببَ الأساسَ يعودُ الى وضعِ المسيحيّينَ، اليومَ، في البلاد، وهو وضعٌ شادٌّ، تَراخَوِيّ، ذَبُلَ زخمُهُ، ووقَّعَ له الإهمالُ براءة.

إنّ المسيحيّينَ، ولا سيّما الموارنة، عُرِفوا بتجذُّرِهم في هذه الأرضِ التي كانت شاهداً على افتدائِهم إيّاها، والفداءُ هو أَبلغُ ثَمنٍ يمكنُ أن يدفعَه شعبٌ في سبيلِ هدفٍ سامٍ. وكان لهم دورٌ حضاريٌّ مرموق، إذ ساهموا في صياغةِ نموذجٍ ائتلافيٍّ حضاريّ، أسقطَ النماذجَ العنصريّةَ والأحاديّةَ العِرقِ والمذهب، وهكذا، أجهضوا تهمةَ انعزالِهم، وتقوقعِهم. واتّصفَ المسيحيّون، خلالَ تاريخِهم، بتفشّي الرّوحِ الجهاديّةِ الإلزاميّة من أجلِ البقاء، وضمانِ الوجود، هذه الرّوح التي شكّلت الدّافعَ الحصينَ الذي أُثبِتَ بشلّالٍ من الرِّجالِ استُشهدوا ليبقى لكرامةِ الإنسانِ، في هذه الأرضِ، موطِئ.

لسنا نُنكِرُ بأنّ حالَ التطرّفِ، عندَنا، لم تخمدْ جمرتُهُ، منذُ كان ما سُمِّيَ بالتّعايش، وكان كالعِيِّ، أي الجَرَب، يتماوتُ ثمَّ يشرئِبّ، بحَسبِ الظّروفِ والحاجة، من دون أن يختفيَ كليّاً، والى غيرِ رجعة. والمتطرّفون مهووسونَ بتعليماتٍ، وتوجيهاتٍ عدائيّةٍ، وقد راودَهم، على مَرِّ الزّمن، العملُ على تحقيقِ أهدافِهم القاضيةِ بعزلِ المسيحيّين، وتهجيرِهم، وإقصائهم عن مراكزِ النّفوذ، للإستئثارِ بالسلطة، اقتناعاً بأنّ المسلمَ لا يحكمُهُ إلّا المسلم. ومن أجلِ ذلك، لم يتأخّر هؤلاءِ في دَعمِ الغرباءِ، ومساعدتِهم، والإنخراطِ في صفوفِهم العسكريّةِ وغيرِها، من فلسطينيّينَ، وسوريّين، وإيرانيّين… علّهم يُحكِمون قبضتَهم على سدّةِ الحكم، ويُعيدون المسيحيّينَ أهلَ ذِمّة. وفي هذا الشّأن، كان لي مداخلةٌ في إحدى النّدواتِ حولَ حربِ لبنان، فسألت: لو حذا المسلمونَ، في هذه الحربِ التي كان هدفُها استبدالَ كيانِ فلسطين بالكيانِ اللبنانيّ كحلٍّ للقضيّة، حَذْوَ المسيحيّين في المواجهةِ والتصدّي، ألمْ يكنْ بالإمكانِ أن نبنيَ، سويّاً، دولةً قادرةً ووطناً منيعاً ؟؟؟

أمّا الؤامراتُ، فحَدِّثْ ولا حَرَج، فمخطّطاتُ التّذويبِ، وتَدَخُّلُ الأنظمةِ الإستبداديّةِ والتّكفيريّة، وممارسةُ القَمعِ بالقَهرِ والتي تكاتفَ في فرضِها الخارجُ والدّاخل، استقصدَت مصيرَ المسيحيّين، ورَمَت الى إحكامِ قبضتِها على وجودِهم بهدفِ تفريغِ الشّرقِ، ولبنان، منهم الى دُوَلِ الشَّتات. إنّ العَمالةَ وباءٌ لا دواءَ له، في بلادِنا، والأدلّةُ لا تُحصى، والعجيبُ أنّ مَنْ صُنِّفوا أبطالاً كِباراً وطنيّين، توحيديّين، زوراً، وقد سَرَت هذه الأكذوبةُ على كثيرينَ، ولزمنٍ طويل، لم يكونوا سوى عملاءَ صغارٍ يُهرقونَ كرامتَهم عندَ أقدامِ مُسَيِّريهم ومُمَوِّليهم في الخارج.

في الخلاصة، لن أُلقِيَ باللّومِ أو التَّبِعةِ على غيرِ المسيحيّين، أو على الظّروفِ المُعَدِّية، فلستُ كالنّعامةِ التي تُدخِلُ رأسَها في الرَّملِ، هرباً، لذلك، أعودُ الى صُلبِ القضيّةِ لأتّهمَ المسيحيّين، بالذّات، بالتّخاذل، والتلهّي بالسِّجالاتِ العقيمة، وبالإحترابِ الكلاميّ الذي لا طائلَ تحتَه كمحاولةٍ سافرةٍ للتهرّبِ من المسؤوليّة، وبالإنقسامِ العموديِّ الذي يشكّلُ خَلَلاً بنيويّاً، إن لم نقل استراتيجياً، يهدمُ التّكافلَ، والتّعاضدَ، كما أتّهمهم بعدمِ التّعالي عن الأنانيّاتِ البغيضة، وعن هَوَسِ التّقاسمِ والرِّبح، كلُّ ذلك لن يؤدّيَ إلّا الى رَميِ مسيحيّي لبنان في رمادِ النّسيان، وفي خبرِ كان.

إذا أردنا أن نحافظَ على وجودِنا الحرّ، والمُحِقّ، والمؤمنِ بالعيشِ الكريم، فلن ينفعَ الرّكوعُ، والخوفُ، واستعطاءُ التّشاركِ ” من تحت”، وندواتُ الحوارِ الإنتهازيةُ بين مُسَنَّنات، وخُطَبُ الإنخراطِ في هَمِّ الوطنِ مع الآخر… علينا الإلتزامُ، كلُّنا، إكليريكيّين وعلمانيّين، بأسلوبِ التصدّي، وبكلِّ الوسائل، مُتَوَلّينَ تحويلَ المواجهة من ظاهرةٍ الى نظام، وهكذا، وأيّاُ تكنِ التّضحيات، نستطيعُ أن نسطِّرَ سِفرَ خلاصِنا.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل