
للحب أوجه كثيرة، للحب طرق كثيرة، للحب شهداء شهداء مثل دمع القلب. أعظم الشهداء يسوع المسيح. أجمل قصة حب على الإطلاق تلك المسامير الثلاثة وتاج الشوك. جميل الحب، والأجمل البقاء فيه. قد لن نموت لأجل حب شخص يسلب منا كل إرادة مقاومة في التحرير والاستقلال عنه ومنه. انتهى زمن روميو وجولييت، وتلك الأدبيات الكلاسيكية صارت حكايات خرافية تقارب الأساطير، لكن بالتأكيد ما زلنا نموت لأجل حب أرض، إن هجرناها مرّة راحت منا للأبد، “فما من حب أعظم من أن يبذل الانسان نفسه فداء عمن يحب”، يقول شارل مالك بصوته الرائع، في جملة نسمعها يومياً عبر إذاعة لبنان الحر قبل بدء صلاة المساء. حلو الحب والأحلا أن نتجرّع كؤوسه حتى الثمالة، حتى الذوبان، وفعلناها، وأصلاً لم نفعل سوى أن نحب حتى الذوبان في زماننا المقاوم، وأن نبذل أرواحنا فداء عن تلك المعشوقة المجنونة الأرض، التوّاقة لدمائنا وحياتنا وقلوبنا.
14 شباط عيد الحب؟ عيد القديس فالنتاين؟ في مفكرتنا 14 شباط ليس فقط حكاية حب وعيد حب، إنما تاريخ صنع من الحب مزيجاً من القلب والدم والشغف، كل الشغف وكل الأحمر الممكن فُلش وردة وردة، على طريق تحرير البلاد ممن زرعوها أشواك الذل والعار والاحتلال. 14 شباط 2005، دوّى الحقد بأجساد مقاومة للاحتلال السوري، دوى الحقد السوري بلبنان ودوّى لبنان بمن فيه. استشهد الرئيس رفيق الحريري وعاش لبنان حكاية حب غير مسبوقة مع الحرية، ثمن الحرية دائماً غال غالي، ودائماً ندفع فواتيره من أجساد الأحرار ونضالهم. 14 شباط دوى الحقد المدمّر بالرئيس رفيق الحريري ورفاقه، فتحوّلت بيروت الى بؤرة موت ودمار، وظنوا انها ماتت، انتهت… ولم تمت ولم تنتهِ غصباً عنهم، غصباً عن حقدهم، غصباً عن عمالتهم وفسادهم وشيطانهم الذي لاي زال حتى اللحظة يدوي موتاً في لبنان. قتلوا الرجل الذي أعاد إعمار أجمل مدن الشرق، وحوّلها الى ساحرة الشاطئ المتلألئ حياة وأضواء وحضارة، قتلوا بيروت الساحرة، اغتالوا من بنى معامل لإنتاج الكهرباء، ولم يستأجر بواخر النهب والصفقات والعتمة للبنان، حاولوا أن يمحوا حروف من علّم آلاف الشابات والشبان ومن الطوائف كافة، وأعطاهم المنح المدرسية، فجّروا حقدهم بمن كان ملك الإنماء والإعمار على الأرض وليس في الخطابات الشعبوية، صنع ثورة تغيير فعلية، وحسب الرجل الكبير انه قال لا للمجرم بشار الاسد وعملائه الصغار في لبنان، فكان عقابه الموت على أيدي تحمل الهوية اللبنانية وتنتمي الى غير وطن وغير أرض وغير عقيدة.
من ينسى رفيق الحريري، وإذا نسينا كل ذلك فهي أكبر جريمة نكران مفتعل نرتكبها بحق الرجل الكبير. أن ننسى أن باستشهاده المروع، اندلعت أكبر ثورات لبنان، ثورة الارز، وبسببها كان جلاء الاحتلال السوري عن لبنان، وكان 14 آذار ذاك المغمّس بدم الاحرار وبصراخ الحرية والحرية فالحرية، هو أكبر تنكّر لنضال الشعب اللبناني الحر الشجاع، الذي تمكن من طرد السوري المحتل عن أراضيه، عبر ثورة سلمية ما تسلّحت الا بالعناد والشجاعة والصراخ والاعتصام في شوارع الحرية، الى حين حققت أكبر وأقدس إنجازاتها، تحرير لبنان.
استشهاد الرئيس الحريري وحّد لبنان، باستثناء تلك الفئة التي لا تملك كرامة الانتماء الى هذه الارض، فقتلته وذهبت للتفاخر والتبجّح وتهديد المحكمة الدولية، لكن دارت الأيام دورتها، وعرف العالم كله من أمر ومن نفذ.
فجّر استشهاد الحريري ثورة 14 آذار، وصار الأحرار واحداً ومن الطوائف كافة، وهذا انتصار بحد ذاته. يقولون ماتت 14 آذار، ونقول طالما الثورة لا تزال متقدة في قلب كل حر شريف مقاوم، إذن 14 آذار لا تزال حية ترزق، واستشهاد الحريري لم يذهب هباء. 14 آذار ليست الزعماء ولا القادة ولا رؤساء الأحزاب وما شابه، هي نحن، هي روح الشعب المقاوم، هي الشعب الذي صنع ثورة تلقائية غير موصوفة في لحظة زمنية متوهجة بالغضب والحزن والاندفاع والخوف الكبير على وطن صار رهينة الأنذال.
في 14 شباط تحية للشهيد ولكل ثوار ثورة الأرز. مذ ذاك اليوم ومن قبله بكثير كنا ثواراً… لا، كنا الثوار وهيك بعدنا وهيك رح منضلّ. ولأجل 14 شباط وكل ذاك الحب الأحمر المتدفق منا وروداً لعيون الشهداء، وروداً حمراء لمن أحبوا الأرض أكثر من حالهم، جعلنا غطاءهم وردة حمراء من رفّة قلوبنا.
