!-- Catfish -->

من أصقاع العالم الى كل بيت في البقاع الشمالي… الأرض لنا!

كتبت غرازييلا فخري في “المسيرة” – العدد 1737

دير الأحمر، بتدعي، بشوات، شليفا، القدام وغيرها… قرى وبلدات تترامى على السفوح الشرقية لسلسة جبال لبنان الغربية، هجرها قسم كبير من أبنائها قاصدين بلاد الله الواسعة في دنيا الاغتراب، هربًا من الواقع السياسي والامني والاقتصادي الذي نعيشه بسبب خيارات سياسية فاسدة، حرمت منطقة البقاع الشمالي ومناطق لبنانية عديدة من خيرة شبابها وشاباتها الذين حملوا خوفهم على أهلهم بين يديهم، وحرقة قلبهم على فراقٍ قد لا يكون فيه أمل عودة اللقاء. ولكن، لا تكرهوا شرًا لعله خير لكم، فهؤلاء الشباب الذين هاجر قسمٌ كبيرٌ منهم مرغمين إن بسبب إنتمائهم السياسي والحزبي الى الخط السيادي، او بسبب ضيق الحالة الاقتصادية، تحولوا الى خشبة خلاصٍ سمحت لهم بتأمين استمرارية صمود أهلهم وبقائهم في أرضهم، ولسان حالهم يقول «مقاومة في الحرب ومقاومة في السلم وستبقى الارض لنا».

لا يوجد تقريباً عائلة في منطقة البقاع الشمالي إلا وفيها مغترب من أحد أفرادها، هذا ما يؤكد عليه منسق منطقة البقاع الشمالي في حزب القوات اللبنانية الياس بو رفول، العائد الى ربوع منطقته من تجربة ناجحة في الاغتراب، «من باب المسؤولية الحزبية التي كلفه بها رئيس الحزب الدكتور سمير جعجع» على حد تعبيره. واليوم يحمل الانتشار لمنطقة البقاع الشمالي كما باقي المنتشرين اللبنانيين في كل الدول هم الوضع الاقتصادي والمعيشي والصحي لأهله على اكتافه محاولاً تخفيف أعباء هذا الحِمل عن أهله، وهو كان قد بدأ بصورة فردية وعلى نطاق عائلة المغترب فقط.

ولكن بعد جائحة كورونا وسقوط الدولة في لبنان وانهيار مؤسساتها، تطوّرت هذه الحركة الاغترابية للمنطقة، من فردية الى جماعية. يقول بو رفول، «بدأت الاتصالات بين المغتربين خصوصًا في أميركا وأوستراليا اللتين يعود اغتراب المنطقة فيهما الى التسعينات، فهما كانتا الوجهة الأولى لشبابنا خلال فترة الحرب، في حين أن الإغتراب إلى دول أوروبا أو الخليج العربي هو أحدث. فكانت هذه الاتصالات بداية تأسيس لوبي إغترابي للمنطقة بدأ عمله الفعلي خلال جائحة كورونا».

 

مقاومة من نوع آخر

«في البداية كان المنتشرون يتواصلون مع بعضهم البعض كلٌ في البلد الموجود فيه، يجمعون المساعدات الإنسانية ويرسلونها إلى منطقة دير الأحمر من دعم لكلفة الأوكسيجين الذي كان يوزع على البيوت حيث هناك مصابون، أو كلفة لـ PCR أو حصص غذائية… وغيرها من الامور الحياتية»، يروي بو رفول. ويتابع: «إلى أن وصلنا إلى نقطةٍ كان لا بد فيها من تنظيم عمل الإغتراب في المنطقة ضمن هيئة أو لجنة تشاور إنمائية وإنسانية لمصلحة بلدات وقرى منطقة دير الأحمر، بعيدة كليا عن اي عمل او توجه سياسي، تساعد أهلنا على الصمود وتجاوز الصعوبات المعيشية التي يعيشونها. وهذه الهيئة غير الرسمية لا تزال مستمرة منذ انطلاقتها قبل أعوام وحتى اليوم في عملها، والهدف من إنشائها الى جانب دعم أهلنا كان تنظيم عمل المنتشرين وطريقة وصول هذه المساعدات عبر التشاور في ما بين أعضائها من خلال عقد إجتماعات دورية عبر تقنية زوم واتخاذ القرار بكيفية توزيع هذه المساعدات بشكل عادل على الجميع، وبالتالي تفادي ازدواجية حصول البعض على أكثر من المقرّر له، وحرمان البعض الآخر من المساعدات، وذلك من خلال منصّة عليها كل المعلومات المطلوبة، فلا تتداخل المساعدات مع بعضها البعض».

ولكن، كيف يعرف المنتشرون ما هي حاجات بلداتهم وكيف يختارون بينها؟ يجيب بو رفول بـ»أنهم يحصلون على هذه المعلومات عبر العديد من الأشخاص الموثوقين الموجودين على الأرض بالإضافة إلى الجمعيات ذات المصداقية والتي تعمل في المنطقة ولديها الكثير من الداتا المتعقلة بمن قست ليهم الظروف، وما هي حاجاتهم. ويتم تحديث الداتا كل شهرين تقريبًا. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن انتشار منطقة دير الأحمر هو انتشار جديد وليس قديم، وبالتالي لا يوجد فيه متمولون كباقي الإنتشار اللبناني. لذلك لا بد من التنويه بما يقوم به إغتراب المنطقة عبر فلس الأرملة الذي يجمعونه من بعضهم البعض، هم الذين من أصحاب الدخل المتوسط، مما حتّم عليهم وضع برنامج أولويات للمساعدات ليستمدوا من الضعف قوة».

ويضيف: «خلال جائحة كورونا قدّم الإنتشار لمنطقة دير الأحمر العديد من المساعدات وصلت الى حدود 200 الف دولار، منها دعم فريق الإنقاذ ومستشفى المحبة، وتقديم المازوت للتدفئة لكبار السن، بالإضافة إلى دعم مدارس المنطقة الخاصة والرسمية وعدد من المشاريع الإنمائية مثل معمل الألبان والأجبان، فطالت مروحته شرائح عديدة من المجتمع ولم تعد المساعدات محصورة بجهة واحدة تتحكم فيها وبكيفية صرفها».

من ناحية اخرى يوضح بو رفول «أن القوات اللبنانية موجودة في وجدان الإنتشار اللبناني لا سيما منتشري منطقة دير الأحمر المعروفة بإنتمائها القواتي الذي يشكل حوالى 90 في المئة من مجتمعها، وهذا ما اثبتته نتيجة الإنتخابات الأخيرة خصوصًا في الإغتراب حيث صبّت بأكثريتها الساحقة لمرشح القوات في المنطقة. لذلك لا يمكن فصل القوات عن هذا الانتشار، ولكن اليوم اجندة إنتشار منطقة دير الأحمر هي أجندة إنسانية وإنمائية، ونحن كقوات دورنا هو خدمة أهلنا في المنطقة ومساعدتهم بغض النظر عن إنتمائهم السياسي أياً يكن. كما أن للجميع الحق بالمشاركة في عملية دعم مجتمعنا المحلي. ونحن اليوم كقوات لبنانية نعتبر أنفسنا مكونًا اساسيًّا في هذا المجتمع، ودورنا في الإنماء لا يختلف عن دور أي مكوّن آخر فيه. لذلك أدعو جميع أبناء منطقتنا المنتشرين في بقاع الارض كافة الى دعم هذه الهيئة الاغترابية لما فيه خير أهلنا ومجتمعنا».

 

عودة وعمل والتزام

أما عن تجربته الاغترابية الناجحة وقراره بالعودة الى لبنان وتسلّم مهام حزبية في منطقته في هذه المرحلة الصعبة التي تدفع بالكثير من الشباب الى الهجرة، فيؤكد بو رفول «أنه لم يترك يومًا العلم الحزبي حتى خلال وجوده في الخارج». فهو ومنذ نعومة أظافره ينتمي الى هذه المنطقة التي تنتمي إلى خطها التاريخي المتمثّل بالقوات اللبنانية. وبالتالي لا يمكن فصلها عن شخصيته هو الذي بدأ بالعمل الحزبي عبر المقاومة السلمية خلال الاعوام 1995 و1996 التي كان خلالها حزب القوات منحلًا ومحظورًا، وهو كان لا يزال في الصفوف الثانوية. إنتقل بعدها الى الجامعة اللبنانية حيث ترأس خلية القوات في كلية الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية في فرن الشباك، ووشغل مركز أمين سر دائرة الجامعة اللبنانية في مصلحة الطلاب. بعدها سافر الى دولة قطر حيث تابع عمله الحزبي وبقي على اتصال مع مركزية الحزب، وعمل على تفعيل دور المهندسين هناك وإنشاء مكتب أصدقاء القوات اللبنانية.

ويقول بو رفول: «المرحلة اليوم إستثنائية وتتطلب الكثير من المجهود، وكما قدم الحزب عبر تاريخه الكثير من الشهداء والمعتقلين للحفاظ على هذا الوطن، علينا أن نواصل مقاومتنا السلمية اليوم والعمل في أي مكان يطلب منا الحزب ان نكون فيه. لذلك وبعد التشاور مع القيادة والمسؤولين المعنيين، أفضت الأمور إلى أن المرحلة اليوم تتطلب وجود شخص لديه خبرة إدارية للعمل على تنظيم أمور المنطقة التي هي خزان قواتي كبير وهي مثال بالالتزام بقضية القوات اللبنانية والوجود المسيحي، ولكن ينقصها التنظيم والادارة. فقوتنا هي في أن نتّحد مع بعضنا وألا تبقى قرى وبلدات المنطقة منسخلة عن بعضها، وهذا ما اتيت للقيام به، ولم يكن سهلاً عليي ترك 16 سنة اغتراب والعودة في فترة هي من أصعب الفترات التي يمر بها لبنان، ولكن لا بد من أن نكون «قدا». وأتمنى أن أستطيع مع مغتربينا أن ننقل خبراتنا التي اكتسبناها من عملنا في الخارج الى مجتمعنا للنهوض به والمحافظة على بقائه وتعزيز تمسّكه بأرضه وتجذّره بها إلى حين عودة الدولة وقيامة لبنان مما يتخبط به».

في نهاية المطاف تأتي مساهمة الانتشار لتشكل حزام الأمان، الذي يدعم صمود اللبنانيين في ظل أزمة اقتصادية ومعيشية طاحنة يمرّون بها، ولم يعيشوا مثلها حتى خلال سنوات الحرب، بفضل طغمة حاكمة سرقت وما زالت تسرق حياتهم وأحلامهم ومستقبل أولادهم.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل