#dfp #adsense

قراءة متأَنية في طروحات سمير جعجع

حجم الخط

قراءة ما يقوله سمير جعجع، في كل مناسبة، ذات خصوصية بالغة القيمة، من حيث الوضوح، والمباشرة، والجرأة. وما يقوله جعجع لم يكن، يوماً، بكاء على أطلال لبنان، بقدر ما كان تغريداً اتهامياً خارج هذا السَّرب. على الرغم مما تتعرض له الساحة الوطنية من اهتزازات وخيمة، تفترض، بحسب خَجولي الكرامة والشخصية، الاعتدال، والطّراوة، والانكفاء عن السلبية، تأتي مقاربة سمير جعجع، دائماً، إزعاجاً لهؤلاء الخائبين، الذين تخلَّوا عن البلد بالعمالة والمكيدة، ليصبح مستباحاً لمن يريد الامساك به، وامتلاك قراره. هو واضح جداً في تحديد الجهة المستقوية بالسّلاح، التي تسعى الى استبدال الكيان القائم بحيثية مستوردة، تفرضها بالقوّة وتفرض كذلك، تعيين تابعٍ لها، يُسمى برئيس الجمهورية، يكمل ما بدأه سلفه من سوء في الوطنية، والسلوك، والأخلاق، ما جعل البلاد تتجول في كفن صدئ ينزف يأساً وشوكاً.

يقول “فرويد”، “إنّ الحلم هو تحقيق لرغبة. لكن ذلك عسير على لبنان الذي يغلق آسروه عديمو الانتماء والولاء، قلوبهم عن طواف الخير بها، ليبقى وصلُهم مع الشر متيناً، فلا يدانيهم انعتاق من فساد أَصلهم. هؤلاء فُطروا على الفضائح، والتقصير، وانتهاك الحقوق، والتقاعس، والسلطوية المخلّة بالأنظمة، واعتادوا على أن يُدرج في أسماعهم قصف القبح.

كنّا نظنُّ، مع سمير جعجع، أنّ مرحلة ما قبل الدولة، قد انقضت غير مأسوف عليها أساساً، وزالت طقوسها من ذاكرة الناس، وتجاوز التقدّم عدَّتها، لكن بعض الظن إِثم، فقد استعاد القيّمون على شؤون الناس زُوراً، والمتربّعون على رقبة البلد بالقوة، رجعيّة تلك الحقبة وانحطاطها، ورسخوا حُلَلَها لتكون وصمة عار تشوه مُحَيّا الوطن الذي كان دوماً، نموذجاً رائداً للحرية ولكرامة الإنسان.

إن توصيف جعجع للوضعِ القائم يستند الى أن الحاكمين قد نَشّأوا سلوكهم، في بلادنا التي تستنكر وجودهم فوق ترابها، همزة وصل بين الشعب والنار، فبدلاً من نُموِّ حالة الصفاء، والفرح، والطمأنينة، والسلام، سادت تشكيلة من القلق، واليأس، والصدمات، والنعي، والعقم، وهي خير ناطق بنية قُطاع الطرق الذين يعلمون ما يفعلون. ولعلَّ جعجع واثق بأن أيّة جراحة لتجميل صورتهم الجحيمية، ستعجزُ حتماً، عن إحداث نقلة لهم، من التصاقهم بالخِزي، وأَذاهم المُدمّر، وأدائهم الفتنوي، كذلك، مهما كان ندمهم مُدوياً، فهو ليس سوى روغان ثعالب، وكمين ذئاب.

في طيّات طروحات جعجع أنّ مشاهد حُبوس القيم الوطنية، وامتشاق الأغلال، وارتقاء البلاد الى عصر الحجر، لم تكن سوى اندثار مقصود لتركيبة النّور، ولاشتهاء الناسِ الى النّقاء، فبدلاً من أن يُؤْمل بانهزام حسرة الخيبة، والليالي المحروسة بالوساوس، تهبّ عواصف، من داخل ومن خارج، كوارثها متواصلة، يقودُها بلديّون اغتالوا وطنيَّتهم، وعن سابق قَصد، ومعهم ثيوقراطيّون متزّمتون توسعيون، يريدون بسط سلطانهم على مَنْ حولهم، وتَعييشَهم التبعية، والخضوع، مُستخفّين بمبادئ السيادة، وحُرمة الوطن، وشرعة الحريات، وخيار الحياد.

أنا لا أُقوّل سمير جعجع ما لم يقلْه، لكنّ القصد ممّا يقول يختزل قناعتنا الجماعيّة، ويُؤمل أن يكون عابراً لشرائح النَّسيج الوطني الواعية. لذلك، قد آل سمير جعجع على نفسه، وبحكم رُقيّه الأخلاقي، والوطني، بألّا ينساق الى تسطير حكم مبرم يدين مَنْ كان يحسب أنّه، مع مَنْ يُمثِّلُ، في وضع التّكافؤ في الانتماء للوطن، والوفاء لقيمه، حتى أتى هؤلاء، تكراراً، ما يُثبت إنكارهم لهويّة لبنان، واساءتهم الى المصلحة الوطنيّة، وتهميشهم لوجود الدولة، ومجاهرتهم بالولاء لاستعمار مُستورد ومعروفة نواياه… ساعتذاك، تقدّم بالنصح، والتنبيه، ودَقّ ناقوس الخطر، عل  ذلك يُعيد الى المقيمين معنا رُشدهم الوطني، لكن المحاولات باءت بالفشل، وساد الاقتناع تماماً، بعدم جدواها، وبأن مرض الموبوئين بالعمالة استعصى على كلّ علاج. وفي مراجعة سريعة لعلم النّفس السلوكي، يتبيّن أن التلون المتضعضع في الشؤون الوطنية، وتَرسّخ الضغائن في الأذهان، يستوجبان خضوع الذين ساهموا في إصابتهم بهما، لإعادة تأهيل إلزامية لاستعادة التّوازن، وإلا سيكون الحجر الوطني هو الحل.

من الواضح  تماماً، في مواقفِ جعجع، أنّه لما كان لبنان كياناً معرَّضاً للخطر، لتدافعِ المؤامرات عليه، وخُطط تفكيكه وإخضاعه للاستبداد به، من جانب جهات مُقترنة بالشيطان، صار لزاماً على السياديّين الحقيقيّين أن ينتقلوا الى صيغة نضالية تؤسّس لإعادة تركيز مبادئ الحرية، والعدالة، والحقوق، بدءاً بمواجهة الحالة النيوفاشيّة التي تسعى الى غرز المزيد من التشظي في كيان الوطن، وباستمرارِ المطالبة بتطبيق القرارات الدوليّة المُتناغمة مع منطوق الدستور، وبالتركيز الدقيق على أصل الأزمة اللبنانية المُتمثل بتفلُّت السلاح، واقتنائه بشكل غير قانوني، خارج القوى المسلحة الشرعية، وبالتأكيد الدائم على أن  الديمقراطيّة والحياد هما النظام الأَمثل للبلاد، وبأنْ لا مرجع للشعب إلّا الدولة القادرة المسؤولة…

إننا ننحازُ، مع الخطوات التي حدَّدها سمير جعجع، لقضية لبنان، انتصاراً للكرامة، فهي معنا، طريق مسلوك بهداية ولائنا، ووفائنا لمبادئها، وربط الصلة بين استمرارها ووجودنا. ولو كان الطريق شاقاً، يستدعي ازدحام الهمم، فإنّ سمير جعجع الجريء، وحده، يُقْدم عندما تَقلّ بشاشة وجه الوطن، ويَغبَرُّ لَونه ليوجّه البوصلة نحو الحقيقة، ويصيب.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل