#dfp #adsense

قصة بطل ـ عايدة خرّيجة غوسطا… “مقاتلة” في عالم الرجال   

حجم الخط

تعددت صفحات النضال وبقي المضمون واحداً، القضية والمقاومة والشهادة. لكل مقاوم حكاية ومواجهة مع الموت ولكل رفيق طريقه وطريقته. هم أبطال، كانوا في وسط المواجهة، وضعوا حياتهم على كفهم وقدموها عربوناً للوفاء وإصراراً على البقاء. من قلب النار قاوموا، وبحروف من وجع ودم، وقعّوا أعظم الحكايات، ففاح بخور صمودهم على مذبح الوطن.

عايدة أبو شعيا، ضابط ومقاتلة خضعت لدورة عسكرية تدريبية صعبة وشاقة في معهد بشير الجميل في غوسطا، في العام 1989. للوهلة الأولى يخيّل اليك أنك ستلتقي بسيدة ضخمة البنية ترتدي ثياباً رجالية، يعلو وجهها ملامح قاسية، وتنطق بنبرة عالية وصوت ضخم. الصدمة الأولى تبدأ من اللقاء. سيدة ممشوقة القامة وشعر طويل مصفف وملابس أنثوية تزينها الإكسسوارات، على الرغم من برد كانون. بنعومة صوتها الفائقة تعود بالزمن الى قصيدتها المحببة يوم بذلت كل أنوثتها من أجل قضية آمنت بها واستشهد لأجلها آلاف من المقاومين.

برقت عينها وعلت الابتسامة محياها. “بيقولوا ما في أمل بالبلد، وانو يْئِسنا؟ بمجرد ما اتذكر قصتي وقصة تاريخنا وبمجرد إنو يكون في حدا عم يسمعها ويكتبها وناس عم تقريها يعني في أمل، وهيدا البلد بلدنا وما رح نتعب نضل نقاوم فيه”.

بهذه الكلمات اختصرت الحاضر وغاصت في ذاك الماضي المشرق. لم تلتحق عايدة بدورة الضباط في غوسطا حباً بالمغامرة، ولا تحدّت مجتمعاً كاملاً كان يقيّد حركة الفتيات، لأنها أرادت أن تثور اجتماعياً، إنما إيماناً منها بأن قضية القوات اللبنانية التي شكلت خط الدفاع الأول عن المجتمع المسحي، قضية محقة وهو انتماء عاشته وتربّت عليه منذ كانت في السابعة من عمرها.

عايدة أبو شعيا، ابنة زحلة التي ولدت في الأشرفية وعاشت على المتحف، عانت من ذاك الشعور المرّ “يا قاتل يا مقتول”. تقول، “لا أعرف حقيقةً بماذا فكرت يوم قررت الانضمام الى القوات اللبنانية، كنت أتذكر ذاك السكين الذي كان أهلنا يحملوه للدفاع عنا، فأنا ولدت في هذا الشرق ولن أتخلى عن وجودي في هذه المنطقة لو كان الثمن الاستشهاد”.

لم تتوقع يوم تقديم طلب انتسابها الى “القوات” أن تكون العملية شاقة الى هذا الحد. برمجت يومها لتقديم الطلب ثم لقاء أصدقائها على الشاطئ، لكنها “علقت” لأكثر من خمس ساعات، إذ خضعت في اليوم عينه لامتحانات الدخول التي توزعت بين خطية، طبية، نفسية ورياضية، إضافة الى فحص الـIQ، ونجحت.

تعترف أن فكرة دورة ضباط للسيدات، أثارت اهتمامها في البداية، فهي كانت في مصلحة الطلاب في “القوات اللبنانية”، ثم في أمانة سرّها وبعدهما في الأركان، فلماذا إذاً لا تكون “عسكرية في خدمة القضية”، بعد النضال الإداري، طالما أن الدكتور سمير جعجع كسر القيود في العمل العسكري وفتح باباً للرفيقات؟

لكن ماذا عن قيود الأهل والمجتمع؟ تؤكد عايدة أن الدعم والتشجيع الأولين أتيا من أسرتها، “صحيح أن أمي كانت تشكر ربها بداية الحرب لأن ما عندها شباب، لكن ثقة عائلاتنا بنا وبالمقاومة التي ننتمي اليها هي التي جعلتنا ننجح في مجتمع كان يُعتبر ذكورياً حينها، وهي التي سمحت لنا بخوض تجربة معهد غوسطا”. لم تسلم من معمودية النار في تقديم طلب الانضمام للدورة، فخضعت لامتحانات طويلة ومتنوعة لم تكن تتوقعها من المواد العلمية والأدبية الى الرياضية والطبية، فالمرور أمام اللجنة الفاحصة.

في أيلول من العام 1988، سبع فتيات وسبعة عشر شاباً التحقوا بمعهد غوسطا، في الدورة التاسعة التي حملت شعار “تَا يضلّ بهالشرق جراس عم بتدّق”. مبنى خصص لتدريب التلامذة الضباط في القوّات اللبنانية، في دورة مدتها ثلاث سنوات دراسية حيث أتقنوا المهارات المتنوعة، وخصص لكل من الجنسين مبنى خاص به.

إذاً، كانت الدورة التاسعة مشتركة وكان يدرب الشباب كما الفتيات ضباط رجال… من هنا تبدأ قصة التحدي. في البداية، استخف الشباب بقدراتهن الجسدية لكن النتائج أبهرتهم فيما بعد.

كل يوم صباحاً كان على الرفيقات النهوض باكراً وتلميع “الرناجر” التي كانت في البداية مفقودة لعدم وجود المقاسات الصغيرة، بعدها القيام بالرياضة الصباحية “القاسية” بغض النظر عن حال الطقس، ثم حضور الدورات والمحاضرات التثقيفية (لغة، علم نفس، تاريخ المجتمعات، تاريخ الديانات…)، ليُخَصص بعد الظهر للتمارين الرياضية والتدريبات. أكثر ما كان يزعجهن، عمليات تبديل الملابس بما يتناسب مع جدول النهار، إضافة الى قصّ شعورهن الطويلة.

“تأهب، انبطح، قف مكانك…” اعتادت عايدة هذه العبارات التي استغربتها بداية، تتذكر الأربعين يوماً ومشقاتها، ولا تنسى الوقوف لساعات في الشمس من دون حراك. بابتسامة تتحدث عن حلقة الوحل وكأنها في استراحة محارب بعد إنجازها. “كانت حياتنا نظامية والمعايير فيها قاسية وجدية، حتى أن كثرة العقوبات التي كان علينا تنفيذها كانت تحول في معظم الأحيان دون حصولنا على مأذونياتنا التي نستحقها”. أصبح العتاد العسكري، من يوميات تلميذات معهد غوسطا، وأكثر ما تتذكره عايدة تفهّم أحد الضباط الذي كان يساعد في التدريب، لاحتياجاتهن كفتيات، لأن عائلته مكونة من 5 شقيقات.

لم تمنع تلك المرحلة العسكرية عايدة من الاستماع الى حديث القلب. صحيح أن خطيبها شجعها ووقف الى جانبها على خوض هذه التجربة، لكن طبيعة الدورة كانت تجعل لقاءهما صعباً، فكانا يلتقيان نهاية الأسبوع في المعهد الذي شهد على تتويج حبهما بالزواج بعد انتهاء الدورة بشهر واحد.

في مرحلة الاضطهاد وحلّ الحزب واعتقال الحكيم، كانت عايدة قد وضعت مولودها الأول، “حَلّوا عني”، لكن زوجها غالباً ما كان يُستدعى الى التحقيق من دون أي سبب. تضيف ممازحة، “تخيلي، من السلاح الى الأولاد. كانت هذه من أصعب مراحل حياتي، وكنت أتضايق لعدم معرفتي بالأطفال”.

 

بعد كل هذه السنوات، ماذا تقولين؟

“ببساطة، إن عاد بنا الزمن أكرر نفس التجربة بتفاصيلها كافة. ما تعلمته بمعهد غوسطا لا تستطيع مدرسة أو جامعة أن تعلمك إياه. الانتماء لمجتمع، وقضية وعقيدة، أسمى ما في الوجود. أما رفاق السلاح، فمن المستحيل أن تجدهم في مجتمعك اليومي. هم المؤتَمَنون على حياتك، ومن ولد في لبنان عليه أن يجهد ويتعب لأن نضال الأجيال في هذه البقعة من العالم لا ينتهي. وأكيد في أمل، لأن كل شِدّة لها نهاية”.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل