
كتبت جوزفين حبشي في “المسيرة” – العدد 1737
Avatar 2 كاميرون… ملك العالم والبحار أيضًا
مهرجان للحواس ومشهدية ساحرة
«أنا ملك العالم»… هذا ما قاله المخرج والكاتب والمنتج الكندي جيمس كاميرون يوم فاز بعدة جوائز أوسكار عن فيلمه الشهير Titanic من إنتاج العام 1998 ومن بطولة ليوناردو دي كابريو وكيت وينسلت.
هل كان متعجرفاً بخطابه يومها؟ لا نظن، فلا أحد ينافس كاميرون سوى كاميرون، ولا أحد استطاع إزاحة فيلمه تيتانيك عن عرش أكثر الأفلام إيرادات في تاريخ السينما (أكثر من 1.8 مليار دولار أميركي عالمياً) سوى فيلمه Avatar الذي اعتُبر عام 2009 تحفة ثورية من الناحية التكنولوجية المشهدية والتقنيات. هذا إضافة الى الإنتاج المهول الذي تجاوز 230 مليون دولار، والإيرادات الخيالية التي جعلته يقطف أرباحًا تخطّت الملياري دولار. أيضًا Avatar ظل الفيلم الأكثر ربحًا في العالم لأكثر من 10 أعوام، قبل أن يهز عرشه فيلم Avengers: Endgame عام 2019.
لا يزال الجزء الأول من أفاتار وحتى يومنا هذا، ثاني أعلى فيلم ربحًا على الإطلاق بعد فيلم «ذهب مع الريح» مع مداخيل تفوق الثلاثة مليارات دولار. أيضًا تم ترشيح أفاتار لتسع جوائز أكاديمية، بما في ذلك جائزة أفضل صورة وجائزة أفضل مخرج، وفاز بثلاث جوائز، جائزة الأوسكار لأفضل تصميم إنتاج، جائزة الأوسكار لأفضل تصوير سينمائي وجائزة الأوسكار لأفضل مؤثرات بصرية. أيضًا وايضًا، أدى نجاح الفيلم إلى زيادة شعبية الأفلام الثلاثية الأبعاد، ما دفع مصنّعي الإلكترونيات الى إنتاج تلفزيونات ثلاثية الأبعاد.
طبعا لم يولد أفاتار في ليلة وضحاها، فقد بدأت عملية تطوير الجزء الأول منه عام 1994. يومها كتب كاميرون معالجة من 80 صفحة للفيلم، وكان من المفترض أن يتم تصويره عام 1999، أي بعد إنتهاء كاميرون من إخراج فيلم تيتانيك عام 1997. ولكن عدم وجود التكنولوجيا المواكبة لمخيلة كاميرون يومها، جعله يؤجل المشروع الذي يعتمد بشكل أساسي على خلق عالم مشهدي بديع. وبانتظار تطوّر التكنولوجيا، بدأ كاميرون عام 2005 العمل على خلق لغة شخصيات أفاتار التي من المفترض أنها تعيش على كوكب باندورا البعيد من كوكب الأرض، ثم انتقل الى تطوير السيناريو وعالم باندورا عام 2006.
بدأ التصوير الرئيسي لفيلم أفاتار في ربيع 2007، ووصف كاميرون الفيلم بأنه فيلم هجين بين تصوير مباشر كامل مع شخصيات وبيئات حية تم إنشاؤها بواسطة الكمبيوتر. أيضًا قال كاميرون يومها إن قصة الفيلم هي في الأساس رحلة مغامرة لاكتشاف الذات، في سياق الإمبريالية والبيئة العميقة. وأضاف إن مصدر إلهامه كان كل كتاب خيال علمي قرأه عندما كان طفلاً، وأنه تم تصوير أدغال باندورا إنطلاقا من فيلم الرسوم المتحركة السابع والثلاثين لشركة ديزني، طرزان. كما اعترف بأنه اقتبس بعض الأفكار من أفلام عديدة مثل شريط الرسوم المتحركة الياباني «الأميرة مونونوكي» للمخرج هاياو ميازاكي، وفيلم The Emerald Forest لجون بورمان، إضافة الى فيلم «الرقص مع الذئاب»، لجهة إنجذاب جندي إلى الثقافة التي كان يقاتل ضدها في البداية.
عام 2009 انطلق فيلم Avatar عالميًا، وروى قصة جندي أميركي مقعد يدعى جيك سولي (سام ورثنغتون) يتم إرساله إلى كوكب «باندورا» من أجل مشروع مبني على أساس صنع كائنات مشابهة لكائنات «باندورا»، تُعرف باسم «أفاتار». هذه الكائنات مسالمة وزرقاء اللون ويبلغ طولها 3 أمتار ولديها أذيال طويلة وعيون واسعة، وكانت تعيش بأمان قبل وصول البشر الذين قدموا للتنقيب عن معدن ثمين.
يدخل الجندي نسخته الأفاتارية، وينطلق بشكل المخلوقات المحلية بهدف البحث العلمي وللعثور على مناجم المعدن. بعد مواجهة مع حيوانات ضارية، يضيع الجندي جيك في غابات الكوكب المعلقة في الهواء، ويلتقي بالأميرة المحاربة نيتري (زوي سالدانا) التي تساعده ظنا منها أنه مرسل ليساعد أبناء جنسها، وتأخذه إلى مكان عيش قبيلتها وهو عبارة عن شجرة ضخمة. فيعيش هناك ثلاثة أشهر، يتعلّم خلالها عاداتهم وطريقة حياتهم وحتى لغتهم الخاصة. وعندما يعثر على منجم هائل للمعدن يقع تحت شجرتهم المقدسة تمامًا، يحاول إقناع الشعب بمغادرة الشجرة لأنه يعلم أن البشر سيأتون لتدميرها والإستيلاء على المنجم، لكنه يخفق في إقناعهم. عندها يقرر مساعدة شعب باندورا في الحرب ضد البشر الغزاة. وبعد معركة ضارية ينتصر سكان باندورا، ويتخلص الجندي من طبيعته البشرية ويصبح واحدًا من شعب باندورا للأبد…
وكان كاميرون قد استلهم شكل شعب باندورا من حلم راود والدته قبل أن يبدأ العمل على الفيلم بوقت طويل، فقد رأت والدة كاميرون في منامها إمرأة ذات بشرة زرقاء طولها 4 أمتار. وصرح كاميرون لاحقاً، «أنا أحب اللون الأزرق، إنه لون رائع وله صلة بالآلهة الهندوسية، والتي أحبها من الناحية المفهومية».
Avatar بجزئه الأول كان نقلة نوعية في التكنولوجيا السينمائية، وتم إصداره بعروض مختلفة مثل العرض التقليدي والثلاثي الأبعاد، إضافة الى عروض رباعية الأبعاد في صالات محددة في كوريا الجنوبية. كما ازدهرت بعد «أفاتار» تقنية تصوير الأفلام بتقنية الـ 3D. وبعد النجاح الضخم للفيلم، وقع كاميرون مع شركة «توينتيث سينشوري فوكس» عقدًا لإنتاج أربعة أجزاء. وفعلا بدأ تصوير كل من أفاتار 2 وأفاتار 3 عام 2017، ومن المتوقع أن يتم إطلاق الجزء الثالث في شهر كانون الأول من سنة 2024، على أن يلحق به الجزءان الأخيران، الرابع والخامس سنة 2026 و2028. وبالإنتظار، يستمتع عشاق السلسلة اليوم بالجزء الثاني Avatar: The Way of Water الذي لا نغالي إن قلنا إنه الفيلم الذي كان أكثر إنتظارًا عام 2022، فمنذ طرحه في الصالات العالمية في منتصف شهر كانون الأول الماضي، وهو يحطم الأرقام القياسية بالإيرادات (أكثر من 400 مليون دولار محليًا وأكثر من 1.3 مليار دولار على مستوى العالم). ومن المتوقع أن يستمر عرضه في الصالات طويلاً، وأن يصبح أحد أكثر الأفلام تحقيقاً للأرباح على الإطلاق في الأشهر القادمة.
ميزانية Avatar: The Way of Waterلامست الـ400 مليون دولار، وسمحت لجيمس كاميرون أن «يتفذلك» قدر ما يشاء بالمؤثرات الخاصة، وأن يتربع مجددًا على عرش الإبهار البصري والتقني، على رغم صعوبة الأمر. طبعًا Avatar الذي كان يُعتبر أمرًا مذهلاً وسابقاً لعصره من الناحية التقنية والتكنولوجية قبل 13 عامًا، أصبح أمرًا عاديًا اليوم. لقد أصبحت الأفلام التي تستخدم المؤثرات البصرية الحديثة وتقنية الأبعاد الثلاثة شائعة جدًا، والمنافسة شديدة جدًا. ولكن جيمس كاميرون يستطيع بكل ثقة (وعلى رغم بعض الثغرات) أن يصرخ مجددًا «أنا ملك العالم»، فالفيلم الذي تبلغ مدته 3 ساعات وربع الساعة، هو أشبه برحلة الى حلم من الصعب أن نتخيّله حتى في أكثر أحلامنا جنوناً وابتكارًا.
مهرجان كامل للحواس بمشهديته المبهرة وشخصياته المختلفة وألوانه المذهلة وصورته وتقنياته وصوته وموسيقاه، لن يقطف الأرباح المادية وحسب، بل الجوائز التقديرية لتجربته الساحرة، فالترشيحات العديدة لجوائز الغولدن غلوب والأوسكار بدأت. مجددًا، يحصر كاميرون عضلاته الإخراجية في ميدان المشهدية ، مفضّلاً إعتماد سيناريو بسيط وقصة غير معقدة كما في الجزء الأول (من كتابته بمشاركة أماندا سيلفر وريك جافا)، وهذا أمر بات شبه تقليد في أفلام الحركة والمؤثرات والخيال العلمي، من أجل جعل الجمهور يستمتع بمغامرة مبهرة بصريًا من دون أن يرهق نفسه بالتحليل والتفكير.
قصة المغامرة الثانية تنطلق بعد 12 عامًا على انتهاء أحداث الأولى، مع الأبطال عينهم، إضافة الى كايت وينسلت (نجمة تيتانيك) وسيغورني ويفر. جيك سولي (سام ورثنغتون) الذي أصبح أحد سكان كوكب باندورا، بعدما تزوّج بالأميرة نيتيري (زوي سالدانا) في الجزء الأول وأصبح لديهما في الجزء الجديد 3 أولاد من صلبهما إضافة الى مجموعة متبناة. في هذا الجزء البشر عادوا لاحتلال الكوكب من جديد، لذلك يقرر جيك وعائلته هجر الغابات والإنتقال إلى الجزر الإستوائية في المحيط.
من جديد عليهم أن يتعلّموا العادات الجديدة، والعيش بسلام ولكن الحرب ستكون لهم بالمرصاد. ومن جديد يبهرنا جيمس كاميرون بخلقه عالمًا مشهديًا جديدًا وموجودًا هذه المرة في قاع البحر، ومليئاً بمخلوقات فوسفورية ساحرة، ألوانها فاتحة وأياديها تشبه زعانف الأسماك، وبحيوانات مفترسة وأخطار متلاحقة عند كل مشهد. ومن جديد، ترتكز قوة المغامرة الثانية على مشهديتها والتقنيات والمؤثرات المستخدمة والتصوير تحت الماء والتشويق والحركة التي تحل دائمًا في المرتبة الأولى على حساب نص وحوارات عادية جدًا، واندماج صعب للممثلين مع شخصياتهم (يرتدي الممثلون كاميرا مثبتة في وجوههم ، تقتنص لقطات قريبة جدًا، ثم يتم دمجها عبر المؤثرات البصرية مع الأشكال المصممة لشخصياتهم).
بدورها الموضوعات متفرقة ومكررة ولا تغوص في الأعماق كما الصورة، مثل الغزو والإستغلال لثروات الدول الفقيرة والمُستعمَرة، والإندماج في بيئة غريبة ومشكلة المناخ العالمية، وكوارث الصيد في البحار، مع الإبقاء دائمًا على أهمية العائلة والاتحاد.
وتبقى أهمية «أفاتار2» في مشهديته المبهرة التي لا يمكن الإستمتاع بها بشكل كامل سوى في صالات السينما المجهّزة لحملكم الى أجواء مبهرة للحواس كلها. الفيلم من المتوقع بقاؤه في الصالات اللبنانية طيلة شهر شباط، فلا تفوّتوه عليكم إذا كنتم من هواة هذا النوع من الأفلام.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
