Site icon Lebanese Forces Official Website

يا سيّدة النّجاة نجّينا منهم


29 عاماً عبرت على التفجير الارهابي لكنيسة سيدة النجاة. 29 عاماً والجرح ينزف مع المرأة النازفة. النازفة شفيت لحظة لمست طرف ثوب المسيح، لبنان لا يزال في عمق الجراح، ولم يمر المسيح بعد ليتلمّس طرف الثوب، وكأنه يريد لنا المزيد من مسامير الجلجلة وتاج الشوك لنستحق قيامتنا معه. لبنان لا يزال معلقاً على الصليب والشهداء، والأحرار قوافل قوافل.

29 عاماً شاؤا يومها تفجير الوجود المسيحي الحر، وجعل “القوات اللبنانية” حزب الارهاب والقتل وتفجير الكنائس، فتفجّرت فيهم الحقيقة الفاقعة، بأن “القوات اللبنانية” حزب الشرف والرجال الشجعان والحقيقة والمقاومة والنضال، لأجل وطن حر، حزب لا يقتل بل يقاوم كي لا يُقتل الوطن، حزب يتلمّس طريق النضال ولا ينتظر فقط مرور المسيح لإعلان القيامة، إنما يجعل من نفسه مقاوماً لأجل المسيح، لأجل الحرية لأجل وطن لا يستحق الا الحياة.

29 عاماً والحقيقة لم تعلن بعد، لكن نضال “القوات اللبنانية” حقيقة واضحة كشمس الربيع، كانت وستبقى في النضال، لأجل شهداء الكنيسة، لأجل كل شهداء الحقيقة والحرية.

أنفتح ملف التفجير ونكتب مقالات الذكرى والتكريم لنتذكر؟ لم ننسَ لنتذكر، بل سنكتب لننكز الحقيقة النائمة في ملفات وطن النسيان، ولإعلان حبنا وانتمائنا الى من أصبحوا شهداء لأجل لبنان.

سيّدة النّجاة ليست مجرّد اسم أو تاريخ مأساة وقعت في السابع والعشرين من شهر شباط من العام 1994. إنّها مأساة وطن تكرّرت في تاريخه المعاصر والقديم وحتّى البعيد منه؛ وإن لم ندرك كيفيّة تحصين أنفسنا من هذه الأيادي الآثمة التي أقدمت على مثل هذه الأفعال قد تتكرّر في مستقبلنا.

الحادثة الإرهابية هذه، لا تُقاسُ فقط بالمآسي التي سبّبتها في لحظة وقوعها، بل بمآسٍ ارتبطت بوجدان شعب بكامله، ولا بدّ من النّظر إلى فداحتها من المنظار الذي تمّ استخدامُها به، أي بمعنى آخر؛ نفّذ المجرم هذه الجريمة فقط ليشوّه صورة المقاومة اللبنانيّة بعين أهلها وناسها وبيئتها الحاضنة. جلّ هدفه كان إسقاط الهالة عن حركة مقاومة بحجم التّاريخ. اعتقد هذا المجرم الذي تُلمِذَ في المدرسة البعثيّة، أنّه بقتل المسيحيّين الأبرياء سينجح بتشويه صورة الحزب الذي حمل لواء القضيّة المسيحيّة التي حملت بدورها القضيّة اللبنانيّة بأسرها. فكان ما كان واعتقِلَ سمير جعجع وحُلَّ حزب القوّات اللبنانيّة.

ولكن، ما لم يحسب له حساباً هذا المجرم أنّ سيّدة النّجاة اتّخذت من نفسها درعاً حصيناً لأبنائها الذين لم يصدّقوا كذبته، وبصلوات أهالي الشهداء الأبرياء الذين سقطوا على مذبح سيّدة النّجاة تحوّلت هذه الكارثة من مجرّد جريمة تمّ تجهيل فاعلها إلى قضيّة إنسانيّة. لكن كم من سيدة نجاة نحن بحاجة بعد للتخلّص من هكذا مجرمين يمنعون بناء الوطن؟

لن نسمح بعد اليوم بتكرار هذه المأساة على شعبنا الحيّ لقتله. ففداحة هذا الجرم لا تكمن فقط باستخدامه الدّماء الذكيّة لتحقيق المآرب السياسيّة، بل في استخدامه بيت الربّ لتنفيذ جريمته. وفي هذه قمّة من الوقاحة وتجاوز معايير الإنسانيّة كلّها. والأوقح، كيف تفاخر المرتكِب نفسه بترداده أنّه بحاجة إلى سيدة نجاة ثانية لإعادة سمير جعجع إلى معتقله. لهذه الدرجة يقلقهم سمير جعجع، ولهذه الدّرجة تشلّ المقاومة اللبنانيّة تفكيرهم.

لن نسمح بتكراره هذه المأساة، لأنّنا نعرف المجرم ونعرف مَن يحرّكه، وقد عقدنا العزم على مواجهتهم كلّهم وبلا هوادة. لن نتراجع ولن نستسلم، وأساساً، لا التراجع ولا الاستسلام في قاموسنا.

اليوم، نصلّي في سيدة النجاة ونطلب شفاعتها لتنجّينا من شرّ هؤلاء كلّهم. هي تعرف وجوههم وأسماءهم. وكلّنا ثقة بأنّنا اليوم على درب الخلاص سائرون. ماذا وإلا لما ظهرت براءة “القوّات” والحكيم في هذا الملفّ. لذلك، مسيرتنا مستمرّة بشفاعة سيّدة النّجاة. اليوم، وبعد تسعٍ وعشرين سنةٍ على هذه الجريمة، نرفع صلواتنا لسيدّة النّجاة التي وحدها ساعدتنا في استرجاع المسار الحقيقي للمسيحيّين اللبنانيّين الكيانيّين والأحرار.

لن يستقيم مسار الوطن كلّه إلا إن عاد المسيحيّون ينشدون لسيدة النّجاة، ” نحن عبيدك يا والدة الإله”. وأيّ مسيحيّ يسبّب الشرخ في شارعه يتحمّل مسؤوليّة دمار الوطن اللبناني ككلّ، لأنّ وحدة لبنان هي من وحدة مسيحيّيه. وللتاريخ فقط، لم ينجح أيّ محتل في دخول الأراضي اللبنانيّة إلا عندما شقّ الصفّ المسيحي الصلبن، ولنا في تجارب التّاريخ أمثلة عديدة، ما نعرفه منها ظاهرة المقدّم سالم في بشرّي، وابن الصّبحا في حوقا، وصولاً إلى زمن الرئيس السابق الذي ضرب الضمانة الوحيدة التي كانت في الحرب اللبنانيّة القوة العسكريّة للمسيحيين، أي حزب القوات اللبنانيّة بحجّة محاربة السلاح غير الشرعي وتوحيد البندقيّة. وللتاريخ ذاكرة لن نعيد سرد أحداثها.

وما بين المهمّ والأهمّ، نختار الأهمّ. فبالنسبة إلينا لواء القضيّة اللبنانيّة تعمّد بدماء شهداء سيدة النّجاة. لن نتخلّى عن قضيّتنا ولو بقيد أنملةٍ لأنّنا أوفياء. دوماً أوفياء لشهدائنا، ولقضيّتنا ولمعتقلينا وأسرانا ولمصابينا ولدموع الأمهات وللدماء وللأرض وللتراب وللجبال وللوديان وللبنان الـ10452 كيلومتراً مربعاً أوفياء. وكلّنا إيمان أنّ سيّدة النّجاة ستنجّينا من هؤلاء كلّهم، قبضة الثلاثين من فضّة، وسيبقى الوطن.

Exit mobile version