خطابات نصرالله بين التحوير والتناقض

حجم الخط

يُقال إنه عندما تأتي أيام المُحل فهي تطاول الجميع وعلى كل المستويات. لكن أن تطاول منطق البعض وتفكيرهم وطريقة تسويقهم لمعتقداتهم وأهدافهم، خصوصاً إذا كانوا من القادة المهمّين في بيئتهم، فحقاً إنها مصيبة ما بعدها مصيبة، لأنها تؤثِّر على بيئة كاملة وتتعدّاها لتؤثِّر على مجتمع بأكمله.

استمعت أخيراً إلى خطاب الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، في مناسبة حزبية. وفي حين كانت كل خطاباته المماثلة التي تضرب على وتر البيئة الحاضنة، تتضمَّن بالحد الأدنى بعض المغالطات والأخبار لزوم شدّ العصب، بغض النظرّ عن صحّتها من عدمه، غير أن محتوى خطابه الأخير كان كارثياً.

بنى نصرالله خطابه، ولاحقاً استنتاجاته، على تحوير وقلب حقائق وتزوير في خطاب للرئيس الأميركي السابق باراك أوباما ألقاه منذ فترة قريبة في إحدى الجامعات الأميركية، فوضع نفسه في موقف محرج جداً، تناوله العديد من الصحف والبرامج التلفزيونية بطريقة لاذعة مضحكة مبكية. مضحكة في كيفية تحوير خطير لكلام معيّن، ومبكٍ لصدوره عن قائد حزب الله الذي يريد أن يحارب الدنيا، بينما يروِّج لأخبار زائفة ليبني عليها استنتاجاته.

المبكي الآخر أن نفس الكارثة تقريباً حصلت سابقاً في العام 2010، عندما أيضاً وأيضاً، استعمل نصرالله خطاباً افتراضياً لوزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كيسنجر كتبه أحد الصحفيين، فاستخدمه على أن كيسنجر كتبه بذاته أو قاله فعلاً. وبناء على الخطاب الافتراضيّ للأخير، وصل نصرالله إلى استنتاجات وإطلاق نصائح، في صورة لا تليق بمسؤول عادي، فما بالك بقائد ميليشيا تحارب في بلدان عدّة وتتحكَّم بأرقاب اللبنانيين؟!

لن أطيل في هاتين النقتطين، مع أنه يمكن الكتابة والتحليل فيهما بصفحات كثيرة، لكنني سأتطرق إلى نقطة أخرى لا تقل أهمية عن تحوير خطاب أوباما.

يقول نصرالله، نحن سادة عند الوليّ الفقيه وكل يوم تثبت هذه المقولة، أنتم ماذا عند أميركا والسعودية والخارج، هل أنتم سادة أم عبيد ام أدوات أم ماذا؟

وعلى الرغم من أن اتهامات نصرالله لا تعنينا لا من قريب ولا من بعيد، إنما على سبيل التنوير، سنُبيِّن مدى التضليل والتحوير في كلامه، من خلال خطاباته السابقة، على وزن “داوني بالتي كانت هي الداء”. وعليه، نطلب من نصرالله أن يوضح لنا التناقض الكبير في أحاديثه لنعرف إلى أي حديث نركن، مع أننا نعرف جيداً أي حديث ينطبق عليه وعلى حزبه.

سَنبدأ من البيان التأسيسي لحزب الله في 16 شباط العام 1985، ونصّ حرفياً، “نحن أبناء أمّة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران وأسَّست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم، نلتزم أوامر قيادة واحدة حكيمة تتمثَّل بالوليّ الفقيه الجامع للشرائط. كل واحد منّا يتولَّى مهمّته في المعركة وفقاً لتكليفه الشرعي في إطار العمل بولاية الفقيه القائد.

وفي خطاب له في الثمانينيّات، يقول، “مشروعنا الذي لا خيار لنا أن نتبنّى غيره كونَنا مؤمنين عقائديين، هو مشروع الدولة الإسلامية وحُكم الإسلام، وأن يكون لبنان، ليس جمهورية إسلامية واحدة، وإنّما جزء من الجمهورية الإسلامية الكبرى التي يحكمها صاحب الزمان ونائبه في الحق الولي الفقيه الإمام الخميني”.

وفي العام 2009، يعلن نصرالله ما حرفيته، “يتصوّرون عندما يقولون عنا حزب ولاية الفقيه أنهم يهينوننا… أبداً! أنا اليوم أعلن، وليس جديداً، أنا أفتخر أن أكون فرداً في حزب ولاية الفقيه… ولاية الفقيه أن نأتي ونقول، قيادتنا وإرادتنا وولاية أمرنا وقرار حربنا وقرار سلمنا وكذا، هو بيد الولي الفقيه”.

ويقول أيضاً في العام 2013، بالحرف الواحد، “لذلك عندما نأخذ أي قرار أو ندخل إلى أي ميدان وأي ساحة وأي قتال، لا نلجأ إلى علومنا ومستوانا العلمي، بل نرجع إلى فقهائنا وكبارنا ومراجعنا الذين هم بأعلى درجات الفقه والوعي والتقوى والورع ومعرفة الزمان والمكان…”.

طيّب، هل من حاجة بعد للجواب على سؤال نصرالله بعد كل هذه الأقوال التي قالها بذاته، وأعلنها على الملأ؟ هل الذي لا يلجأ إلى علومه ومستواه العلمي، وآلاف الحسابات المُلزمة، للخوض في الحروب والمعارك التي ينتج عنها أكبر الكوارث والمصائب والويلات، ويعتمد فقط على أوامر فقهائه ومراجعه في إيران، يكون من السادة أم من العبيد والأدوات؟! ألم يسمع نصرالله بالمثل الذي يقول، إذا ابتُليتم بالمعاصي فاستتروا؟

فقط أوصلوا إليه أن هناك لبنانيِّين غير أنصاره، يسمعون ويحلِّلون ويقارنون بين أقواله، والصورة التي رُسمت لديهم عنه ليست بالصورة الناصعة التي يجب أن يروه فيها كقائد وكرجل دين.

وأوصلوا إليه أيضاً نصيحة كانت بجمل، فقط من الغيرة على لبنانيته، ولو أن مستواها منخفض جداً أمام إيرانيته، أن يضع مجهوداً أكثر، أقله على خطاباته العلنية، كي لا تسيطر عليها الأخبار المغلوطة المُحوَّرة، ومن أجل لا تكون متناقضة لحدِّ الاختلاف الفاضح مع سابقاتها.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل