
كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1738
كم تتباعدُ مسافةُ المكانينِ بين أرضِ الزوق وأرض بيت لحم، وكم يتقاربُ بينهما ويلتحمُ زمان الفجيعتينِ الأغزَر فِداءً والأسفك دماء والأشدّ وحشيَّةً وهمجيَّةً، فَجيعةُ رُضَّعٍ وأطفالٍ منحورينَ مذبوحين بالخناجر والسَّكاكين الهيرودسيَّةِ، وفجيعةُ أبناء رعيَّةٍ مُفخَّخةٍ مُفَجَّرةٍ ختمت ذبيحةَ قُدّاسها بعشرة نعوشٍ لأجساد رعويَّةٍ منسوفةٍ بمواد شديدةِ الانفجار والإجرام!
ظرفُ مكان مزود ميلاد بيت لحم على زمن هيرودس اليهوديةَ القديم هوَ توأم لظرف مكان كنيسة سيدة النجاة على زمن هيرودس جديد يتولَّى حُكمَ البلاد اللبنانيَّةِ المنكوبةِ بالاحتلال!
ظرف زمان بيت مزود ميلاد بيت لحم منذ نيِّفٍ وألفٍ وتسعمئةٍ وأربعةٍ وتسعين تجانس بالأهدافِ الإبليسيَّةِ مع ظرف زمان كنيسة سيدة النَّجاة بعد نيِّفٍ وألفٍ وتسعمئةٍ وأربعةٍ وتسعين.
هناكَ هيرودس عتيقٌ بدائيٌّ ارتعب مِن طفلٍ رضيعٍ هاجعٍ فوق عرشٍ مُنَجَّدٍ بالتِّبنِ قصرُه كهفُ رعيان الماشيَّةِ، ولمَّا لم يحظَ بمكان ولادتِه من الملوك الثلاثة الآتين بهداياهم من الشرق القديم، أرسلَ ضباعه وضواريه يلتهمون رِقاب رُضَّعِ وأطفال بيت لحم بشفار خناجرهم وسكاكينهم!
وهنا هيرودس مُتجدِّدٌ مُتطوِّرٌ يخشى مسيحانيَّةٍ لبنانيَّةٍ لم يبقَ لأمانها وأمانتها إلاَّ أكتافُ رجلٍ واحدٍ مًتحدِّرٍ من جبال قاديشا، حيثُ الكاتدرائيات الدهورية مرفوعةُ الجدران بالأشيارِ النَّابتةِ مِن جذور مسيحيَّةٍ لا ترتقي بُنيتُها وتنمو إلاَّ بنذور عُصيانِها المقدّس على ملوكٍ مهووسين بالأتباع، وأمراء دستورهُم المذلَّةُ والمذمَّةُ والذُميَّةُ، وسلاطين لا يُطعِمون الخبزَ إلاَّ لمن يضربُ بسيوفهم!
سمير جعجع يا حكيم
لو أنَّ هيرودسَ مذبحة أطفال بيت لحم كان يملكُ ذات مواصفات العقلِ الشَّيطانيِّ المُتطوِّر الذي أمتلكه هيرودس متفجِّرة كنيسة سيدة النجاة، لكان أوعزَ لمُدَّعيه العامين وقُضاتِه النُّجباء بابتداعِ واختلاق ملفٍ إتِّهاميٍّ يتَّهمُ فيه يوسف النجار وعروسته العذراء ومعهما رعيان المغارة بارتكاب مجزرة الرُضَّعِ والأطفال المُشتبَه بهم أنهم بذات عمر الطفل أبن الله والإنسان!
سمير جعجع يا حكيم
مُعلِّمُكَ وقدوتُكَ ومثالُك يسوع إبن الآب الفريدِ بين الآباء ومريم الأمهات قد «سيقَ إلى الذَّبحِ كشاةٍ لم تفتحِ فاها» بعد أن وجَّه إليه أعضاء مجلس السَّنهدريم تهمة التَّجديف على الله. فهل كان مًستغربًا أن يوجِّه إليكَ نوابغُ كليَّةِ الحقوق الجهنمية تهمة تفجير بيت الرب؟!
سمير جعجع يا حكيم
أيام اشتدَّت وطأة ملك اليهوديَّة السفَّاح ظهر ملاك الربِّ ليوسف يطالبُه: «قم خذ الصبي واهرب به إلى مصر فإنَّ هيرودس مُزمِعٌ أن يُهلِكُه»
وأيامَ أُنذِرتَ أنتَ بأنَّ عاصفةً مُكفهِرَّةً سوداءَ مُزمجرةً غضوبَةً تتَّجه صوبكَ لتعتصركَ، تطوَّعَت تشكيلةٌ مُتنوِّعةٌ من «ملائكةٍ» حاذقين بمهنة سُعاةِ البريد والبرق تناوبوا على نقل الرسائر «الوديَّةِ» يحملونها إليكَ مِن وَرثَة «أحمد باشا الجزّار» بموضوع ومضمونٍ واحدٍ: «الوزارة أو الوزارة »…فكان لهم منك جوابٌ لا يُجيبه إلاَّ أولياءُ دم الشهداء: «يسواني ما يسوى رفاقي لِّ بالسَّما ورفاقي لِّ بالسَّراديب»…
وتجاوزت موضوع اللجوء داخلَ حصن وحصانة السَّفارة البابويَّةِ ومشيت إلى الوزارة الثانية تلك التي تخرَّج منها رفيقكَ فوزي الرّاسي شهيدًا.. وتلكَ التي ظنَّ القيِّمون عليها ذاك الزمان الأظلم بأنَّ الله قد مات واندثر من التاريخ والوجود”ئ !
يا أجرأ مَن تجرَّأ حيث لا يجرؤ الآخرون
بين أحدِ القدّاسِ المعزوف ترانيم الآلام بأورغ أمونيوم 27 شباط 1994، وبينَ الرنج روفر الذي نقلكَ وزيرًا فوق العادة لوزارةٍ مقرُّها زنزانة تحت طوابقِ أرض وزارة الدفاع، كان الوقتُ كافيًا وافيًا أمام قيافا كبير قُضاةِ تلك السَّنةِ لأن يُولمَ على شرفِكَ، وليمةَ إتّهامات دسمةٍ مِن مطبخِه الإتِّهاميِّ المُختصِّ باستيراد الأحكام الجاهزة المُستوردةِ استيراد الموادِ المُتفجِّرةِ، وهو محاطٌ بمُحقِّقين ذوي خبرةٍ لها بتأجير ضمائرهم وذِمَمِهم أجار الشِّققِ المفروشةِ، ومُدَعَّمًا بشهود زورٍ منهم مَن تطوَّع بكلِّ طيبةِ خاطرٍ أو شَوفةِ خاطرٍ، ومنهم من نطق بما أملته عليه السِّياطُ اللهّابةُ ورافعات البلانكو!
وكان الوقتُ مؤاتيًا للحاكم البنطيِّ لأن يوزِّع صابونَه البيلاطسيَّ ذي الرَّغوةِ المُراوغَةِ لكلِّ رَعديدٍ غاسلٍ يديه من دِماء المصلوبين والشهداء، وقد نال مِن حِصَصِ هذا الصّابون الأسود كُثُرٌ من الأبعدين كما من الأقربين، وبينهُم بعضٌ جزيلٌ من إكليروسيَّةٍ حذت حذو بطرس كيفا المُرتعب ليلة القبض على مُعلِّمه: «إنَّني لا أعرف هذا الرجل» !
طوال طريقِك من غدراس إلى الوزارة تناهى إلى مَسمَعِكَ جعيرُ وعريرُ شعب وصحافة برأبّاس: «أصلبه أصلبه»، فتجاوزتهما وكان همُّكَ الأسمى أن يكون إعتقالُكَ موازيًا لقيمة إعتقال دانيال الحدشيتي وجبرائيل حجولا وأنت تسعى إلى اكتساب كامل ثقة مار يوحنا مارون وإبراهيم القورشي آباءالعُصاةِ الذين لا يأكلون من خبزِ السّلاطين ولا يضربون بسيوفهم!
وطوال طريق استحباسكَ حبيسًا للأرزة داخل محبسة اليرزة، كنتَ مُتَّصلَ الروحِ والعقلِ والنِّعمةِ والوحي بجاركَ القاديشيِّ البقرقاشي كوكب وادي قزحيا الأب أنطونيوس شينا حبيس محبسة مار بولا غبتا، تستلهمه كيفيَّةَ مواجهةِ أراكين نادوا بموت الله وتلاشيه من التاريخ، وتستلهمُه كيف ستحملُ طوال نيِّفٍ وإحدى عشرة سنة أوزان ووزنات آية آياتِ الفِداء الغالي الكِلفةِ العالي الأثمان : «هل مِن صَلبٍ أعظمَ مِن أن يُصلبَ رجلٌ واحد عن أهله وشعبِه وأُمَّتِه»؟!
سمير جعجع يا حكيم
نيِّفٌ وإحدى عشرة سنة كنتَ فيها حبيس الأرزة داخل محبسة اليرزةِ لعلَّك أرسلتَ إلى محبسة مار بولا وادي قزحيّا مَن يقرع بابها ويدخل باسمكَ إلى حبيسها البار أنطونيوس شينا إبن بقرقاشا جارة بشراي تسأله الإرشاد والإلهام عن كيف تكون حبيسًا عن شعبٍ إستحبس داخل كهوف ومغاور قنوبين مئات السنين حِفاظًا على الوديعتينِ الأغلَيينِ : وديعة الإيمان ووديعة الحرية».
وتسأله الإرشاد والإلهام عن كيف تكون حبيسًا بعمر 1600 سنة ابتدأت بقورش ومرَّت بوادي العاصي، ثم استقرَّت وتأبَّدت بحمى الرب وعواصي لبنان. وتسأل الأب شينا إرشاده وإلهامه كيف بإسم عشرة شهداء كنيسة سيدة النجاة !
الأحد 27 شباط 1994
صوتٌ سُمِعَ في الرَّامةِ بُكاءٌ وعويل ..دويٌّ سُمِعَ في الزّوقِ إنفجارٌ وقربانٌ دمويٌ فجيعٌ ..في الرَّامة في الزوق راحيل تبكي على بنيها ولا تُريدُ أن تتعزَّى ..في الرَّامة في الزّوق كنيسةٌ مقدّسةٌ جامعةٌ رسوليّةٌ مُجاهدة مدعوةٌ إلى إعلان قداسة وطوباوية شهداء ذبيحة كنيسة سيدة النجاة بذات رتبةِ شهداء مذبحة بيت لحم شهادةً للبنان وللشرق وللمسكونة!!!
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
