#dfp #adsense

الخطر الثالث على المسيحيين… ولبنان

حجم الخط

كتب شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1738

ساهم المسيحيون مساهمة أساسية في بناء دولة تعددية وحديثة وتجربة تشاركية في السلطة بين المسيحيين والمسلمين غير موجودة في أي بلد في العالم، وقد تعرّضت هذه التجربة لثلاثة مخاطر كبرى منذ الإستقلال الأول في العام 1943، والخطر الأخير هو الأكبر لمجموعة إعتبارات وأسباب.

كلمة حقّ تُقال بداية إن الخلاف، سابقا، في النظرة إلى دور لبنان بين المسيحيين والسنّة لم يحل دون التفاهم على دولة شكلت نموذجًا في هذا الشرق، ولولا هذا التفاهم بينهما لما نجحت هذه التجربة، وما يجب تسجيله أيضًا أن تلاقيهما بعد افتراقهما كان دائمًا على أساس دولة، وهذا ما حصل في ميثاق العام 1943 ومع تجاوز ثورة العام 1958، ومع إنهاء الحرب على أساس إتفاق الطائف في العام 1989،ومع رفعهما أولوية لبنان والدولة إبان إنتفاضة الإستقلال في العام 2005.

فالخطر الأول على المسيحيين وجودًا وحضورًا ودورًا كان مع الثورة الفلسطينية التي أطاحت الدولة وأدخلت البلد في دوامة من العنف والإنقسامات والحروب، وهذه الثورة كانت عاملاً خارجيًا حظي باحتضان داخلي، وقد ووجهت من خلال وحدة صفّ مسيحي بالإرتكاز إلى وحدة موقف منطلقه إستحالة التعايش بين منطقي ثورة ودولة، وأن الثورة قوّضت تجربة دولتية إستثنائية في الشرق وأسقطت نهائية الكيان وحياده، وأن كل ما يطيح بالإستقرار يهدِّد الوجود المسيحي، وأن التألُّق المسيحي بحاجة لدولة…

ولولا الوجود العسكري السوري لكان نجح المسيحيون والسنّة في إنهاء الحرب بعد رحيل الثورة الفلسطينية، وقد شكل الدور السوري واستطرادًا احتلاله للبنان الخطر الثاني على المسيحيين وجودًا وحضورًا ودورًا، وحظي الإحتلال السوري باحتضان داخلي على قاعدة أن الجيش السوري ليس جسمًا غريبًا وهو داخل بلده الثاني لبنان، وخطورته أنه أنهى إستقلالية القرار اللبناني وألحق لبنان بسوريا وقضى على كل فكرة نهائية الكيان وحياده.

وأما الخطر الثالث على المسيحيين وجودًا وحضورًا ودورًا، فيتجسّد في مشروع «حزب الله» الديني والسياسي، فهو يريد تغيير هوية لبنان التعددية من خلال أسلمته وفق طريقة الولي الفقيه، وألغى نهائيته واستقلاليته عبر إلحاقه بإيران، ويمنع قيام دولة في ظل إصراره على سلاحه ودوره، وخطورته أنه ليس مشروعًا خارجيًا تأثرّت به بيئات داخلية، إنما يشكل الذراع الإيرانية المباشرة، فتبدُّل موازين القوى أدى إلى إخراج الثورة الفلسطينية والجيش السوري من لبنان، فهل يمكن إخراج «حزب الله» من لبنان؟

وإذا كان منطلق أي بحث جدي بأن الحزب ليس في وارد تسليم سلاحه طوعًا، وأن طهران لن تطلب منه تسليم هذا السلاح، وأن نزعه بالقوة غير ممكن، وأن الرهان على حرب أو تسوية مع إيران تبدِّل بموجبها بطبيعة دورها من عسكري وأمني إلى سياسي لا يمكن التحكُّم بتوقيت تحقيقه، وأن قيام دولة وإصلاح ضرب من ضروب الخيال في ظل إزدواجية السلاح، فيُصبح من الضروري والحتمي البحث في الخيارات الإنقاذية المطلوبة.

وما يتعلّق بالمسيحيين ينسحب على السنّة والشيعة والدروز الذين يريدون دولةً واستقرارًا وازدهارًا، والكلام عن الخطر الثالث على المسيحيين له علاقة بطبيعة الموضوع ولا يعني إطلاقا أن هذا الخطر لا يستهدف سائر اللبنانيين، ولا يعني أن التصدّي له يجب أن يكون من مربعات طائفية، إنما مواجهته تستدعي توحيد الصفوف الوطنية على قاعدة إصطفاف بين من يريد إعادة الإعتبار لدور الدولة وبين من يريد إبقاء لبنان ساحة صراعات ونفوذ وتصفيات حسابات وعدم إستقرار.

وخطورة مشروع «حزب الله» على المسيحيين تكمن في التالي:

أولاً، أثبتت التجربة منذ العام 2005 أنه يستحيل الوصول مع الحزب إلى تسوية على أساس الدولة، حيث يعتبر سلاحه ودوره خارج النقاش، ويواصل قضمه للسلطة وتعطيل كل موقع يعمل بوحي ضميره والدستور.

ثانيًا، يتناقض المشروع الإيديولوجي للحزب جذريًا مع المشروع اللبناني والفكرة اللبنانية التي كان للمسيحيين المساهمة الأبرز في إرساء قواعدها، ويستحيل التعايش بين مشروعين متناقضين.

ثالثاً، دمّر مشروع الحزب كل نقاط القوة التي كانت للمسيحيين المساهمة الأساسية فيها، من إنشاء دولة مدنية ودستور وتداول سلطة، إلى مبادرة فردية وضعت لبنان في الطليعة على المستويات الإستشفائية والسياحية والمصرفية والتعليمية والفنية والثقافية، وكل هذه القطاعات والمجالات التي ميّزت لبنان انهارت بسبب الحزب.

رابعًا، اخترق الحزب الصف المسيحي في سابقة لم تكن قائمة مع المشروعين الفلسطيني والسوري على رغم الخطورة نفسها لهذه المشاريع على المسيحيين، حيث إنه للمرة الأولى منذ الإستقلال الأوّل تنقلب فئة مسيحية وازنة على ثوابت المسيحيين التاريخية بنهائية الكيان ومحورية الدولة ودور لبنان مع المحيط.

خامسًا، المتضرر من مشروع الحزب هم جميع اللبنانيين الذين يريدون دولة، والتصدي لهذا المشروع يشترط مواجهة مزدوجة: مواجهة داخل كل طائفة من أجل أن يكون الخيار للبنان الدولة وليس لبنان الساحة، ومواجهة وطنية بين من يؤمن بالفكرة اللبنانية وبين من يؤمن بالفكرة الإيرانية، ولكن ماذا لو كانت ظروف المواجهة الوطنية بقيام إطار جبهوي غير ناضجة، فهل على المكوّنات السياسية داخل البيئات الطائفية أن تعلِّق مواجهتها بانتظار إنضاج المواجهة الوطنية؟ بالتأكيد كلا.

وما يجدر التفكير به على هذا المستوى أنه مع إنفراط جبهة 14 آذار انتقلت مواجهة مشروع «حزب الله» من إطار عابر للطوائف إلى أطر طائفية عابرة بمشروعها للطوائف، والبيئة المسيحية تمكّنت مع «القوات اللبنانية» وأحزاب وشخصيات عدة من التغلُّب على الفريق المسيحي المؤيد لمشروع الحزب، وتحولّت هذه البيئة إلى رأس حربة مواجهة مشروع الحزب، ولكن ماذا لو لم تنضج ظروف البيئات الأخرى لإعادة تكوين الإطار الجبهوي، فهل دور المسيحيين يقتصر على حثّ هذه البيئات لإعادة لملمة الصفوف، أم التفكير في كيفية توظيف الدينامية المسيحية السيادية في سياق مشروع سياسي؟

وقد يقول قائل إن التخلُّص من الإحتلال السوري لم يتحقّق سوى بوحدة صفّ وطنية، والأمر نفسه ينطبق على «حزب الله»، وأنه على رغم التأثير السلبي لعدم جهوزية إحدى البيئات على البيئة الحاضرة والجاهزة، فإنه لن تستقيم أي مواجهة جدية سوى بتضافر القوى المسيحية والإسلامية المؤمنة بالمشروع نفسه، ولكن هذا لا ينفي مسؤولية هذه القوى منفصلة ومجتمعة في التفكير في كيفية الخروج من مأزق دور الحزب وسلاحه.

ومقاربة هذه الإشكالية تختلف اليوم عما كانت عليه في بدايات إنتفاضة الإستقلال، خصوصًا بعد أن جرّب كل شيء من دون أن يتوقّف الإنهيار المالي والإنحلال الدولتي، فيما لم يعد مجديًا تكرار السيناريوهات السلطوية التي تبقي الوضع في دائرة المراوحة نفسها، ولا بل أصبح من الواجب والضروري البحث عن المخارج من هذا الوضع المقفل بين سلاح يمنع قيام دولة، وتركيبة سلطوية تحتمي بالسلاح وتغطيه.

وقد أظهرت وقائع السنوات الـ18 أن الآمال بقيام دولة انتفت وتبدّدت، ولا بل كل سنة أسوأ من السنة التي سبقتها في ظل تراجع متواصل للأوضاع وعلى المستويات كلها، والإستمرار في السياسة نفسها سيقود إلى مزيد من التآكل في جسد الدولة والهجرة والإنهيار، وبالتالي حان الوقت للقطع مع المرحلة السابقة والتفكير جديًا في السياسات التي تقود إلى رفع هيمنة الحزب عن الدولة ومقدراتها.

فالقناعة أصبحت راسخة بأن الإنقاذ مستحيل في ظل إزدواجية السلاح والسلطة المرتبطة بهذا السلاح، وطالما أن لا إمكانية لا لنزع السلاح ولا لكفّ يدّ التركيبة الحاكمة في المدى المنظور، فإن المراوحة ضمن الخيارات نفسها أصبحت خطيئة، ومن الضرورة التفكير في خيارات خارج العلبة «out of the box».

إن خطر مشروع «حزب الله» على المسيحيين واستطرادا اللبنانيين من طبيعة وجودية، وما يجدر بحثه في بكركي يتعلّق في وضع حدّ لهذا المشروع وتمدُّده وتغلغله ومنعه قيام دولة ودفعه اللبنانيين إلى الهجرة، ومواجهة هذا المشروع تكون بالحدّ الأدنى من خلال رئيس جمهورية ورئيس حكومة وحكومة لا تتأثّر بسياسات الحزب، وهو أمر من الصعوبة تحقيقه، وتكون بالحدّ الأقصى عن طريق الدفع نحو مؤتمر دولي أو فرض أمر واقع داخلي، وكل ما هو خلاف ذلك يعني فصل جديد من أزمة قديمة تَمضي قدمًا في تغيير هوية البلد وتهجير شعبه.

شارل جبور ـ  رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية”

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل