
عندما نقول إن “القوات اللبنانية” هي توأم كرامة الوطن، نعني تماماً، أنّه يستحيل وجود الواحدة من دون الأخرى. من هنا، لما كانت حقيقة “القوات” أنها حالة ترفض الخنوع والخضوع والإجبار والاندحار، كان من البديهيّ، أن يحقّ لها توأمتها مع لبنان الكرامة والسيادة والحريّة وموروث الإباء.
أمّا عودة البعض الى روتين سفك صورة “القوات”، واستباحة إلصاق تهم ملفقة جائرة بها، خصوصاً في هذه المرحلة الدقيقة من زمن البلاد، فليس سوى تأكيد لما قيل، “فليس يرجم إلّا باسق الشجر”، أي أنه اعتراف موصوف بأن “القوات” حيثية فاعلة في الشأن الوطنيّ، وأن دورها في صناعة القرار السياسي هو دور حاسم، وأنها تشكّل صدّاً منيعاً لتمرير مؤامرة الهيمنة على الدولة، وهدر دم سيادة الكيان، وأنّها وحدها، السنّ الذي يفقأ عين مَنْ يريد أن يقصف غصن الوطن.
استقصاد “القوات” من جانب المصابين بهلوسة ذهانيّة يصعب شفاؤها، يرمي في ما يرمي، الى تنبيه أولئك الذين لا يزالون مخدرين ومعصوبي الأمخاخ، لكي يصدّقوا الترهات التي لا تمت الى الحقيقة بصلة، وفي مقدّمها مسؤولية “القوات” عن الحالة التي باتت على كفّ الخطر، وعن ضرب صيغة العيش، وتبني طرح التقسيم، وعن تعطيل مؤسسات الدولة، وتوفير مظلة للفساد والنهب… في حين أن أصحاب النّزوة “الستالينيّة” يدّعون طهارة الإخاء والتعاون والمسامحة والتّلاقي وتوفير الجهود لبناء دولة قادرة ووطن للجميع… ومنْ يصدّق؟
في ظل هذا الواقع المأسويّ لوباء مستورد عطّل العلائق بين المواطنين، ودفع بهم الى مناصبة العداء بعضهم لبعض، والى تأصيل مفهوم القبليّة، والى تنمية استراتيجيات تراجيديّة إستيلائيّة، لا يقفز الى الواجهة إلّا خطة السيطرة على الدولة، ووضع اليد على مقدّراتها، والتفرّد بقرارها، وذلك لهدم ما هو موجود ليبنى على أنقاضه مفروض من خارج، يضيّع الحس بالمواطنة، فلا يسمع في أرجاء الوطن الجريح سوى قهقهة الشّيطان بنجاح جريمته.
إنّ الاستمرار برشق المدى بالحصى بلغة خشبيّة عفنة، ما هو إلّا تأكيد دامغ على الإفلاس السياسيّ والتخاطبيّ والبرهانيّ، ما يدفع بالمفلسين الى الكلام المغشوش المشبع بالقبح والحقد. فسلاح الاتهام بالذمّ لا يشهره مَنْ حملوا همّ الوطن بنقاء، كالقوات المتمرّسة بالتصدي وفروسيّة الأخلاق وكبر الوطنيّة، بل أولئك المشوّهون بالاستفزاز والفساد والتّهديد والغرائز، قليلو العقل والدّين، المتنكّرون لقيم الرجولة ومزايا النّبل. فالأسلوب التّنكيليّ الذي يتعاطونه، شتماً وتهشيماً واتّهاماً يبقى باهت القيمة لأن الحقيقة منه براء.
أما آن الأوان للهوائيين المنغمسين في أحلام بائسة، للخروج من حفر التّزوير والتّحوير والتّعييب والتّحريض واتّهام “القوات” بالموبقات من غير بيّنات… ولترك هذا الأسلوب الممجوج الباهت، الخالي من معايير الإقناع تعليلاً وتدليلاً والممدمك على تخيّلات والتباسات وهبّات كابوسيّة، تفصل هوّاتٌ سحيقةٌ بينها وبين الصّدق؟
ألم يعلمْ هؤلاء الذين تركض في هاماتهم أنهار السراب، أنّ لبنان في ضمير “القوّات”، ليس ابناً بالتبنّي ولا أباً صوريّاً، إنّه سرّ مقدس يلتحم به وجدان “القوات” في وحدة تشمل كل شيء؟ بمعنى أنّ مَنْ يرى “القوات” فقد رأى لبنان، ومَنْ يرى لبنان فقد رأى “القوّات”… واستناداً، فالقوات شاء مَنْ شاء وأبى من أبى، هي المدخل الإلزامي الى معرفة لبنان، والإيمان به.
لسنا نستغرب أبداً، أن تشن المنظومة الطّارئة “معارك ” ضارية على “القوات”، كخصم تاريخيّ علاقتها به منذ البداية، علاقة متوتّرة مليئة بالمواجهات، فالقطبان مختلفان تماماً في ثوابتهما وأساس وجودهما وجوهر توجّههما. ولسنا متعطّشين الى الأجوبة للنفاذ الى حقيقة هذه المنظومة الفاشيّة، فلا حاجة الى معرفة ما بات معلوماً، لأنّ الرّموز سقطت والتّنظيرات تقهقرت والخلفيّات تفتتت والوعود الملتبسة صارت رماداً. ولم يجد أركان التسلّط بعد هذا الانفضاح، إلّا شتم “القوات” وإلصاق تهم بها وتشويه صورتها، كورقة تين يسترون بها فشلهم وعوراتهم، وما أكثرها.
ربّما لم يحظَ متخرّصو المنظومة الشتّامون بما حظي به العصر الوسيط مع المؤرّخ ومؤسّس علم الاجتماع ابن خلدون الذي طور المنهج الجدلي في التّعامل مع النصوص التاريخية لتجريدها من الأساطير والخرافات، بإعمال العقل والمنطق، فاستمرّوا على جاهليّتهم وجهلهم وخطابهم غير المجدي، إن على مستوى هجوماتهم الدونكيشوتيّة على “القوات”، وإن على صعيد دفاعهم الركيك الحجّة عن أجندتهم المتصلة بمكبّرات صوت “تبوّق” صدى صوت سيّدها.
ما يُنسج للوطن ممن يتقصدون مكونات السيادة، وفي طليعتها “القوات اللبنانيّة”، يثير الرّيبة من خطّة لتضييع الكيان، ما يفرض أكثر من هزّة نوعيّة توقظ الغافلين عن الجناة، وأكثر من تمرّد يتصدّى للرّضوخ والإكراه والتسلّط، وأكثر من فتاوى تمرّر في كنف مساحيق التّجميل…
شعب لبنان، اليوم، بحاجة الى أن يكون شاهداً على ختم مرتكبي جريمة قرصنة الوطن، بالشّمع الأسود.
