!-- Catfish -->

لبنان على درب جلجلة المسيح… متى القيامة؟

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1738

يقف يسوع تحت القبّة العتيقة يراقب درب صليبه. يقف لبنان على عتبة آلامه يتحسس درب جلجلته. «دخلك يسوع مطوِل هالعذاب؟»، يسأل الوطن الصغير من جعل من المسامير وإكليل الشوك وجرح اليمين، أعظم حكايات التاريخ. يلتفت إليه يسوع فجأة «من يحمل معي صليبي ويمشي على درب جلجلتي ليس له إلا مجد الأيام»، ويختفي في قربانة وكأس خمرة، «وينك ربي بعد عندي أسئلة كتيرة دخيلك رجاع»، يصرخ لبنان ويهرع للبحث عنه فلا يجده، جلس متهالكاً الى جسده المدمم، وبدأ ينتزع بفائق الألم أشواكه بيديه، شوكة شوكة والدماء تنهال فوق عينيه اللتين كانتا خضراوين، وصارتا مائلتين الى الرمادي «يا ربي مطولة هالجلجلة؟ وينك يسوع جاوبني»…

تاج شوك وثلاثة مسامير، ودرب وعرة حفرتها خشبة صليب، لتُكتب من الآلام أعظم قصص التاريخ والإنسانية على الإطلاق، فكان المسيح وكان الصلب حتى الموت ثم القيامة.

وطن وحكايات غدر واحتلال وفساد، واحتلال الشر المطلق لكل مرافق الحياة العامة، وطن كان بلد الأرز، فصار أرض النار والعار وشياطين، حفروا في تاريخ الأوطان أسوأ أسوأ حكاية على الإطلاق، عن بلد كان قبلة البلدان، فصار حفرة الإنسانية، مكبّا لأفسد سلطة في تاريخ البلدان.

يمشي الرب جلجلته، وتستوقفه فيرونيكا لتمسح عن وجهه الدماء، فيصبح المنديل وجه يسوع في الدنيا كلها، يمشي لبنان منذ نحو أربعين عامًا على درب الصليب، وكلما تحاول فيرونيكا الاقتراب منه لتمسح عن وجهه الدماء، يهجم الجندي ويرفسها بقسوة، فيبقى وجه لبنان مغمّسًا بالدماء، وتقع فيرونيكا على الطريق ويضيع منها وجه آلام الوطن… ليش هيك ربي؟!

منذ دهور ونحن نمشي جلجلتنا، لكن ثمة قيامات لنا عشناها في أوقات انتصار مستقطعة، منتشلة من أنياب الاحتلالات وأزلامهم، بالمقاومة حتى الاستشهاد، مشينا مع المسيح دروب جلجلته، ومعه وصلنا الى قيامة ما، لكن لم يشهد لبنان على مر تاريخه القديم والحديث على جلجلة مماثلة، هل يجرّبنا المسيح؟ ويقولون إن الرب يجرِّب دائما محبّيه. الم يطل زمن التجربة؟ ألا يعرف يسوع أننا نحبه وألّا حياة أصلاً لنا من دونه؟ طيّب لماذا التجربة لا تشمل إلا الأبرار والصدِيقين بينما يترك الأشرار في الانتصار الدائم؟ أما عاد يسوع يحب لبنان؟ هل نسي عرس قانا الجليل؟ هل نسي أن أمه العذراء انتظرته هناك عند سيدة المنطرة ليعود من رحلته التبشيرية؟ ألا يريد الاعتراف بآثار أقدامه عند شاطئ صيدا وصور؟ شو يا ربي أليس عندك جواب؟!

يقف لبنان تحت صليبه وهو يجرجر دماءه على عيون العالم، أما عادت للبنان دروب إلا جلجلة؟! كيف لوطن أن يتحمّل مثلاً تفجيرًا إرهابيا مثل 4 آب ويستمر؟! كيف يتحمّل الأهالي جلجلة الاضطهاد تلك من ميليشيا محتلة وسلطة فساد تحتمي به؟ أي جلجلة أكبر بعد على وطن صغير وأهالٍ يحملون الصليب لوحدهم، ووجوههم مغمّسة بالدماء وفيرونيكا واقعة تحت أقدام الجنود؟

كيف تحمّل لبنان عهدًا فائق السواد، ما حمّله إلا الفقر والنهب والاحتلال والفساد والعار والذل وموت الكرامة وسرقة مدخرات العمر وذلّ العمالة والانبطاح والتزوير وخطر زوال الكيان اللبناني الحر؟

كيف يتحمّل لبنان لوحده، لوحده، جلجلة تجويعه المتعمّدة، فيبقى بلا ودائع بلا قضاء بلا مال بلا دواء بلا طبابة، يجتاحه ملايين النازحين السوريين، ويأكلون من معاجنه، ويغيّرون الديموغرافيا والحضارة والمستقبل، ويجتاحه المرض والفقر والعوز، وقيافا يشيح بأذنيه وعينيه عن خلاصنا؟

كيف يعيش لبنان في دولة بلا دولة تحتلها دويلة سوداء قاتمة، وعملاء في السلطة يتحكّمون بدرب جلجلته، ويحفرون له الصلبان، ويغرزون في يديه وقلبه وحتى عينيه، المسامير الحادة ولا من ينتشل ولو مسمارًا واحدًا، فيُترك على الصليب ينزف وينزف وينزف… والرب يراقب!

صارت 12 ظهرًا، قرع الجرس إيذانا بانتهاء الصوم، جاء المساء، يلبس لبنان الطرحة المخرّمة، ويذهب الى درب الصليب! لوين رايح يا بطل، أي درب صليب بعد ستشارك بها، أنت على الصليب يا شب، أنت جلجلة مدويّة، أنت مسيح على قياس الأرض، ورب السماء يشهد على نزيفك. انزل، انزل لبنان عن الصليب أريد أن أكون فيرونيكا ما، وأمسح عن وجهك الدماء، بما أن الرب شاء لنا أن نقاوم لوحدنا، وأن ننتشل لوحدنا قيامتنا من طريق شياطين الموت…

لا يجيب الوطن الجريح، يمسح دماءه بيديه، يمرّر إصبعه على نزيف جرح اليمين، ويتذوّق دماءه، هذه كأس لبنان، دم المسيح، هذه خمرة لبنان جلجلة على درب الصليب. على طعم المرارة والخوف يتذوّق لبنان زمن الصوم، المصائب من حوله أكبر من أن يستدركها. الصدمات أكبر من أن يتوقعها، لبنان يغرق كل يوم أكثر في جهنم يوضاس، وكثر هم يوضاس يا سيّد، ونحن نرتفع في ذاك الحزن العميق الدافئ واللهفة لاحتضان يسوع. المشكلة أن ما عاد بإمكان لبنان أن يتماهى في سعادة الحزن وفي الألم والمعاناة، هو يحمل الصليب، والمسامير تنخر قلب قلبه. نحن ننزف، وما عاد بإمكاننا حتى أن نقول «أليس رائعًا أن يختارنا الرب لنسير معه جلجلة الأيام؟». طالت الجلجلة يسوع أما حان وقت القيامة بعد؟

يطبطب الرب بيديه على كتف لبنان «شو قصتك ليش فقدت الأمل؟! كل عمرك مناضل لأجل الحياة، كمّل هيك وما تخاف أنا معكن حتى انقضاء الدهر»… وذهب يعدنا بالقيامة.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة, فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل