
أعتقد ألا قواتياً في لبنان لم يعرف روجيه درغام، وجهه رافق كل تفاصيل معراب. في كل زاوية من القلعة حكاية له مع أحدنا. فنجان قهوة، قصة نضال، نقد ذاتي لاذع، محبة وغيرة على القضية وأبنائها، شغف الانتماء، وحب استثنائي لرئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع… وهكذا أتذكر روجيه.
قبل عيد الميلاد المجيد ببضعة أيام، التقيته في معراب، أجرينا حديثاً حزبياً على هامش لقاء واسع، عينا روجيه “بتشرقط” عند الحديث عن “القوات”، يشعرك أنه مسار مجبول بين ماضٍ مضى لكنه حاضر في حاضر روجيه، ومستقبل لا مكان فيه إلا للنفس ذاته والروحية ذاتها. لطالما لفتني به نقده اللاذع، كان يشعر برغبة تحسين أي شائبة مهما كانت بسيطة. في الحقيقة، أمثال روجيه هم الذين يساهمون ببناء الأحزاب والمجموعات لأنهم يصوّبون البوصلة وفقاً للمنطق.
تعود بي الذاكرة الى يوم انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية، كنت أغطي الحدث من معراب، وكان درغام يحمل كاميرته كالعادة، لا يسمح للقطة بالمرور بلا سرقتها، قال لي “أختنق لكنني ألتزم”، وهو دائماً كان ملتزماً، لا بل مثالاً في الالتزام، أعطى رفاقه في معراب انطباعاً دائماً بضرورة النضال والاستمرار، بعدم التراجع ولا فقدان الأمل. “المستقبل لنا” أتذكره بهذه العبارة دائماً أبداً.
أبكيك يا رفيقي، أبكي رحيلك باكراً ببال غير مرتاح، يؤلمني ورفاقي أنك تغادر بلا الاطمئنان على وطن ناضلت لأجله طيلة حياتك، منذ العام 1981 مع مجموعة الطلاب ـ سرية الـ85 في القطارة، وانطلقت بمسيرة استكملتها مع الحكيم و”القوات” حتى النفس الأخير.
روجيه، الذي التحق بمعهد غسطا، كان ضابطاً شجاعاً، صلباً لا يلين، وشارك بمختلف المعارك، يقول رفاق سلاحه، “كان يمشي أمامنا، كان مستعداً لكل شيء في سبيل قضينا. لم يتوانَ يوماً ولم يخف”.
ربطت جعجع بروجيه علاقة جدّ مميزة، ودية الى أبعد الحدود، كان مقرباً منه، ولطالما ارتاح الحكيم لوجوده ووثق بمناقبيته واندفاعه ودقته البالغة في إنجاز العمل، حتى أنه كان يقول قبل مؤتمراته الصحفية، “ما ببّلش قبل ما روجيه يكشف عالكاميرات ويقول top”.
بين الرجلين، علاقة وطيدة. عُرف عن روجيه أن سمعه كان خفيفاً إثر مشكلات على خلفية المعارك، وفي إحدى الأيام كان يحمل كاميرته ويركض الى الصالة قبل بدء أحد مؤتمرات الحكيم فاصطدم به، نظر إليه جعجع ومازحه، “أمر الله ما بتسمع، ما بتقشع كمان” ليضحكا معاً من قلبيهما.
درغام رجل احترم مواعيده دائماً وبصورة استثنائية، وكان جاهزاً “ع الندهة” في أي وقت من اليوم، مندفعاً للعمل، حاضراً، وواعياً لكل التفاصيل.
عندما استقوى عليه المرض، لم يغب روجيه عن معراب، وحتى في أشهر حياته الأخيرة، ظل “يطلطل” ويطمئن على الجميع ويترك بمن ينظر إليه احساساً بعدم رغبته بالمغادرة.
وداعاً، اطمئن، لن نترك لبنان مهما بلغت الصعوبات، والنضال سيستمر مع أجيال آتية وذكراك ستبقى خالدة، رفيقاً، مناضلاً، مقداماً.
