بين السلاح والتعطيل… صيغة جديدة

حجم الخط

التقت منذ العام 2006 المصالح بين “التيار الوطني الحر” صاحب الإنجازات الوهمية من جهة، مع مصالح “حزب الله” صاحب الانتصارات الإلهية من جهة أخرى، فكانت النتيجة واقعاً مريراً ومُهيناً لكل اللبنانيين. واقع لم يعد محمولًا من الشعب اللبناني حتى “اللي ما بينهار” منه، وهو غير محمول أيضاً، بالنسبة لمن هم “مكمّلين” مع القوي المتحالف مع نفس الذين “ما خلّوه”. إنه الواقع المرفوض، لكنه المفروض منذ 6 شباط من العام 2006 حتى اللحظة، مرّات عبر السلاح غير الشرعي ومرّات عبر تعطيل الاستحقاقات الدستورية.

نعم، إنه السلاح غير الشرعي، الذي يُستعمل في كل مرة لا تتناسب قرارات الدولة مع مصالح “حزب الله” حامل هذا السلاح المُنتهك لسيادة الدولة والمُسيطر عبره على قراراتها، وهذا ما جرى في أحداث 7 أيار من العام 2008 التي عصفت بالعاصمة بيروت، والتي لم تتوقّف رياحها عن خطف أرواح اللبنانيين إلا بعد سحب الحكومة اللبنانية لقراراتها. فلنتذكر كيف فرض الحزب حكومة القمصان السود في العام 2011، حيث انتشر عناصره بلباس أسود في بيروت مقدمين استعراضاً ميليشياوياً لم يتعدّى الساعة، كانت كافية لتحقق إسقاط حكومة فريق الأكثرية آنذاك والإتيان بحكومة “8 آذار”.

هذا ما برز فيما بعد أيضاً، في أحداث خلدة، وشويّا، وعين الرمانة في العام 2021، حيث نفّذ الفريق نفسه “غزوة عين الرمانة” بهدف وقف التحقيق في جريمة تفجير مرفأ بيروت، في محاولة لجرّ البلاد والعباد الى حربِ أهلية. حاول “حزب الله” وفريقه “قبع” قاضي التحقيق العدلي طارق البيطار، بعد أن نجح بـ”قبع” سَلَفه، لكن المؤسسة العسكرية التي قامت بواجباتها عبر ردّ تعدّي البلطجيين المتعدّيين على منطقة، معروف عن أبنائها بأنهم لا يموتون إلا واقفين، دفنت محاولة الفتنة تلك في مهدها. من دون أن نغفل الكثير من الأحداث المماثلة، والتي لا تُعدّ ولا تُحصى فيها الأرواح البريئة التي سقطت في كل مرة.

الوسيلة الثانية التي استعملها هذا الفريق، لم تقلّ فتكاً بالإقتصاد اللبناني ولا بالحياة السياسية في لبنان عن سلاح الدويلة، “التعطيل”.

نعم، تعطيل مستمرّ للاستحقاقات الدستورية كما هو الحال اليوم، وكما كان في كل مرة لا يوافق فيها الفريق نفسه، على النتيجة التي يتوقعها لكل استحقاق. هذا ما يحدث للمرة الثانية على التوالي في استحقاق انتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية، حيث تمّ تعطيل مجلس النواب سنتين ونصف السنة لمنع الأكثرية النيابية من انتخاب رئيس، والأمر ذاته يتكرر اليوم وفي الاستحقاق الدستوري نفسه.

كم من مرّة تمّ تعليق عملية تشكيل الحكومة؟ مرة من أجل “عيون الصهر” ومرة من أجل الحصول على وزارةٍ ما أو الاحتفاظ بأُخرى، تحت غطاء “حق الطائفة”، ومرّات كثيرة للحصول على الثلث المعطّل؟

حتى القضاء لم يسلم من ممارساتهم التعطيلية! فعطّلوا تحقيق العدالة في قضية اغتيال الشهيد الرئيس رفيق الحريري، تماماً كما يعطّلون مسار تحقيق العدالة لشهداء وضحايا تفجير مرفأ بيروت الذي دمّر نصف العاصمة وقتل أكثر من 220 لبناني.

هذه الممارسات التعطيلية المتتالية أوصلت مراراً الى فراغات دستورية، ساهمت بشكل أساسي بنشر الفساد في المؤسسات وبالتالي انهيار الاقتصاد، كما أسهمت باغتيال الديمقراطية في لبنان ووضع النظام السياسي اللبناني في أزمة حقيقية عقيمة وعميقة، ما يُحتّم ضرورة تراجع هذا الفريق عن مساره. فقد طفح كيل اللبنانيين وفاض قهراً وظلماً وذلًّا وجوعاً.

أصبح من حق، بل من واجب اللبنانيين الحريصين، البحث عن تركيبة جديدة تعيد الحياة السياسية الى لبنان وتنظّمها وتمنع تخطّي أي فريق لروحية الدستور، خصوصاً في القرارات المصيرية، صيغة تحمي الحياة الديمقراطية من التعطيل بشكل كامل وربّما الى الأبد. خليّة نحلِ السيادة والدولة القوية ستهب هتماً للبحث عن بدائل وحلول تنقذنا وتعيد لنا حقّنا بالعيش الكريم على هذه الأرض، وليتحمّل وحده أعباء الدويلة، من بناها، ومن تحالف معها، ومن أراد الموت في ظلّها.

جويس جبور تابت ـ جهاز التنشئة السياسية

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل