12 شباط حكاية فتيان أبطال على جبهة قنات

حجم الخط



كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1738

12 شباط حكاية فتيان أبطال على جبهة قنات

14 شهيدًا في أسفارها السماوية

منذُ أن رفعَ ملكُ مملكةِ الخلاص قيمةَ أرضِ المُخلَّصين المعتوقينَ من خطيئةِ الهزيمةِ الأصليَّةِ إلى مَقامِ ثالوثِ صلبٍ وصليبٍ ومصلوبٍ، بدأت عمليَّةُ ربطِ النِّزاعِ الدّائمِ بين سؤاليَنِ مُسَنَّينِ كغرزةِ مسمارينِ ينغرزانِ في لُبِّ الوجدان الحيّ كما في اللحم الحيّ. سؤالان يتعاكسان ويلتقيانِ عند خطورة ودقَّةِ مسؤوليَّةِ مُساواةِ الحياة بالموت والموت بالحياة حين يأتي يومُ طرحِ السّؤال الأكثرِ رِهبَةً: من هو الأحقُّ وجودًا وبقاءً من الآخر الإنسانُ أم الأرضِ، الأرضُ أم الإنسان وكيف يكون إنسانٌ بدون أرضِه وكيف تكونُ أرض بدون إنسانها؟!

بعضٌ مُتألِّقُ الهويَّةِ اللبنانيّةِ جذريُّ الإنتماء لميراث الوقفِ اللبنانيِّ لم يعش عِقدةَ ومُعضلَةَ وهاجسَ الجوابِ البدهيّ التلقائيّ، فجوابُه هو قانون إيمانِه بلبنانيَّتِه المُدوَّنةِ واحدًا وسبعين مَرَّةً ضِمنَ أسفارِ الكتابِ المُقدَّس، كما أرزه مذكورٌ خمسةً وسبعين مرَّة، من دون أن يمُرَّ ذكرُ إسمِ أي بلدٍ مِن البلدان إبتداءً من مشارق الدنيا حتى مغاربها!

آيةُ الرّاعي الصَّالح الذي يعرف رعيَّتَه ورعيَّتُه كانت الطريق والحق والحياة لهذا البعضِ من شعبنا المتمايزِ بأنَّه عاشَ قدسيَّة أرضها على أنها جسدٌ يتَّحِدُ كليًا بجسده بلُحمةِ شمسٍ وهواء وينابيع وترابٍ وأغراسٍ وبيوتٍ يرتدي وأياها رداء ثلاثة كُتُبٍ مؤرَّخةٍ بخطوط الربِّ الخالقِ ومُخطَّطاتِه: كتاب تاريخ الأجداد وأجداد الأجداد، كتاب تاريخ الآباء وآباء الآباء، وتاريخ تربيةِ الأبناء وأبناء الأبناء، ثلاثةُ أجيالٍ إعتنقَت رُباعيَّةَ القداسةِ والحريّةِ والبطولة والشهادة، ورباعيَّتُها السَّماويَّةُ الأهدافِ المَطهريَّةُ النتائجِ لم تدَعْها تسترحْ يومًا، ولم تسمح لأمراء الأصفادِ والعبوديَّةِ أن يهنأوا أو يستريحوا!

نداء… نداء… نداء

11 شباط 1980 أطلقت قيادة القوات اللبنانيَّة نداءً تاريخيًا إلى دول القرار ودول العالم المُتحضِّر تطالبها عدم التهاون أو المساومة أو المراوغةِ ببقاء الإحتلال يُزنِّرُ الأراضي اللبنانية ويتأبَّدُ فيها، كما طالبت المنظومة الدوليَّة بالسعي الآني إلى إجلاء المُسمَّاة قوات ردع من جميع مناطق لبنان من دون قيدٍ أو شرط!

12 شباط أتى الجواب ولم يتأخَّر.. لم يأتِ من مجلس الأمن الدوليِّ أو من هيئة الأمم المتحدة، لكنَّه أتى من لواء الوحدات الخاصة، أشرس ألوية الجيش السوري وأكثرها تسليحًا وتدريبًا وجهوزيّةً وأرعبَها سُمعةً وصيتًا..

12 شباط 1980 حَلَّ جوابُ المُحتَلِّ على أرض قنات حلول جحيم النّار والكبريت والحريق. قنات المُتدرِّجة في مدارج بلاد كتفِ قاديشا وجبّةِ أرز الرب كانت المًرشَّحةَ لأن تكون مركز التأديبِ الأكثرَ حساسيَّةً لشعبٍ يعرفُ أخبار قاديشاه بمغاورها وكهوفها وأشيارها ومحابسها وشعبها الصامد الصّابر المُنعزِل فيها طوال 600 سنة، كما يعرفُ خبزه كفاف يومِه وكما يحفظُ صلاتَه اليوميّة، فكان سقوط قنات عنده يُساوي سقوط قدس أقداسِه!

5 شباط 1980 جرَّبَ الإحتلال أول تحرُّشاتِه، فأبلغ قائد ثكنة دير القطارة سمير جعجع رفاقَه وأهل قنات وجوب ضبط النفوس والأعصاب تفاديًا لإعطاء ذريعةٍ تُدمِّر البلدة، فمرَّ الإحتكاكُ مع مجموعةٍ كتائبيّةٍ قناتيَّةٍ مرور الجمر تحت الرماد الذي عاد الإحتلال ونفخَ فيه نفخَ عاصفةٍ سوداء مُرقَّطة يوم 12 شباط 1980، حين أقدم الجيش السوري على خطف الرفيق الكتائبي طوني الخازن من داخل بيتِه واقتيادِه إلى أحد مراكزه الذي لم يتوانَ رفاق طوني عن مهاجمتِه وتطويقه وتحرير رفيقهم وإعادتِه إليهم مُقاومًا مُقاتلاً فَفُتِحت ساعتُها سراديب الجحيم!

معركة قنات عِبرَ 697 فاصلة بين عام 1283 وعام 1980 هي تَتِّمةٌ وتكملةٌ لهجوم جحافل المماليك على أقداس شعب جبل لبنان، جبال قاديشا الشمالية موطن آلافٍ من قدّيسيهم المعلومين منهم والمجهولين، وموطنِ ربواتِ حُبساء حموا الأرض بأسوار صلاتهم وأصوامهم وحملوا السَّماء فوق أياديهم المرفوعةِ تسابيح وابتهالات!

التاريخ بستة أيام

12 شباط 1980 كان على بضع عشراتٍ من الرجال والفتيان وحتّى الأمهات والفتيات وبأسلحةٍ معظمُها فرديّ والباقي يصلح لتدريبات عسكريٍة، مواجهة لواء الوحدات الخاصَّة المُدَجَّج بأعتى أسلحة المدرعات والراجمات والمدفعية يُصمِّم على الثأر للجولان من قنات!

ستة أيامٍ من جلجلاتِ هجوماتٍ لا تتوقف ولا ترحم ولا تعترف بأيِّ مُعاهدةٍ إنسانيَّةٍ وأخلاقيَّةٍ. ستّة أيامٍ شباطيَّةٍ لم تتوقَّفُ فيها هجمات الثلوج المُنهمرة على تلك البلدة الذبيحة انهمار القذائف والصواريخ، أدركَ المقاومون أنَّ روح الربِّ معهم ومَسَحَهم بصمود ذراعي يسوع المصلوب على الصليب وحيدًا بينما يُحيطُ به مئات الجنود.

أدرك المُقاومون أن أرواحًا سماويَّةً شاركتهم الإستبسال وشدة البأسِ والصمود الإعجازيِّ هي أرواح الآباء والأجداد شاركتهم انتشارهم القتاليَّ بين قنات ومزرعة بني صعب ومزرعة عسّاف وبيت كسّاب ونيحا وحردين. فجابهوا طوال ستة أيام اختصرها الرئيس المصري آنذاك أنور السادات يوم توجّه بخطابه إلى رئيس النظام السوري حافظ الأسد مُخاطبًا مُستهزئًا موثِّقًا بطرافةِ لهجته المصرية وأسلوب مخاطبتِه: «حِتَّة فتيان شجعان يا حافظ في ضيعه بشمال لبنان إسمها قنات قهروا وأَذَلَّوا جيشك الذي تدعِّي أنت أنه أقوى جيوش العرب!»

قنات 12 شباط 1980. قنات جبهات كنيسة مار سركيس والمدرسة والمنشرة وحفافي الزيتون هي الإسم الدائمُ العاصي على النسيان لكلِّ مُقاومٍ لبنانيٍّ كان من أهلها أو أتاها من بيروت وأدونيس والبقاع والجبل والقطارة، حتَّى لو أنَّ بعضهم وبعدَ عشرات السنوات قاتَل بدلتَه الأصليَّةِ ببدلةٍ طارئةٍ وقاتل بندقيَّتَه القناتيَّةَ ببندقيَّةٍ غريبةٍ فقاتلَ نفسه بنفسِه!

وأمَّا الأربعة عشر إسمًا المُدوّنةُ في أسفار قنات السماوية وعلى صفحة الصخرة الأمينة الوفية وسط ساحة قنات شهداء بيعة شباط 1980 الموزَّعين توزيع أسماء شهداء السنكسار الكنائسي واللبناني والقناتيِّ :

أ- طوني جرموش، فؤاد ضومط، دانيال القبّوط وطوني إيليّا من مجموعة ثكنة دير القطارة.

ب- ريشار نجاريان وحدات دفاع بيروت.

ج- ميشال حداد وحدات دفاع أدونيس.

د- الياس داغر من ثكنة المُدرَّعات المركزية.

وأبناء قنات الشهداء السبعة: فارس الطحّان، حنا البدوي، ديب وهبه، شينا نهرا، شليطا حنا، نقولا نقولا ولينا البدوي!

شهداءٌ ومُقاومون خلَّفوا للمهاجمين 300 قتيل وأكثر من 400 جريح وفوق الـ40 أسيرًا وعشرات الدبابات والآليات والمجنزرات المحروقة المعطوبة والمُدمَّرة. شهداء ومُقاومون نسفوا جميع علوم الخطط العسكرية وفوقها استراتيجيات المواجهات بعتادٍ يقاربُ عتادًا وعديدًا بمستوى أرقام عديد شهداء ومقاومين حوَّلوا قنات إلى كليَّة عسكريَّةٍ قائمةٍ بذاتِها تُدرِّسُ حكاية شعبٍ قاوم القضاء بإيمانٍ ينقل الجبال والقَدَرَ برجاءٍ يُخلِّعُ مصاريع الجحيم!

قنات 2023

ما زال الحكيم يتَّصلُ بالشيخ بشير للإمداد بالرجال والسّلاح.

ما زال دانيال القبّوط يتابع قفزاتِه البطولية الجنونية من مكان إلى مكان قبل أن ينشطر رأسه إلى قسمين.

ما زال ريشار نجاريان يقاوم من باب الكنيسة قبل أن يُنقلَ جثمانُه على ظهر دابةٍ تعبر به وسط الثلج.

ما زال فؤاد ضومط ينتقلُ من جَلٍّ إلى جَلّ قبل أن يرتفع إلى جبهة ملكوت الجلالة النوارنية

ما زال طوني إيليا يواصل القتال على طريق نيحا قبل أن يعودَ إلى حدشيت أيقونةً!

ما زال الياس داغر يعطبُ مدرَّعات الواحدات الخاصة المفترِسة قبل أن تحملُه مركبةٌ ناريَّةٌ إلى السَّماء!

ما زال ميشال حداد يدبُكُ داخل الشّاحنةِ العابرة بين زخات المطر بين مزرعة بني عسّاف ومزرعة بني صعب وقنات ونيحا، وما زال الإبنُ الوفي يعدُ أمَّه الحنونة بأن يأكلَ من قالب الحلوى الذي أعدَّته لعيد ميلاده قبل أن يتذوَّقَ قالب حلوى السّماء الذي تذوّقه بحضرة رب الشهداء!!

12 شباط 1980 ـ 12 شباط 2023 هل ما زلنا نحن بالضَّميرِ والذاكرةِ والوفاء على جبهة قنات؟؟؟!!!

نعم ما زلنا، وسنبقى…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل