
قد تختلف العقائد الى حدّ التناقض، قد تبتعد المسافات المكانية والزمانية، قد تختلف الثقافات والإتنيات واللغات والحضارات، ولكن يبقى التاريخ مدرسة للعِبَر والاستقراء والاستنتاج والاستنباط لمن يريد ان يتعلّم منه، لتجنّب السقطات تفادياً للانهيار الكبير و”هناك البكاء وصرير الأسنان” بعد فوات الأوان.
حبّذا لو نكذّب ما نُسِب الى وزير الدفاع الإسرائيلي موشي دايان من قول عن “إن العرب لا يقرأون، وإذا قرأوا لا يفهمون، وإذا فهموا لا يستوعبون، وإذا استوعبوا لا يطبقون”، وطبعاً، يتخطّى مجال بحثنا عالمنا العربي ليطال نماذج كثيرة بعيدة ولصيقة تكرّر وتُعِيد الوقوع في “حبائل” الأفخاخ المنصوبة القاتلة.
وعن “السقطات المؤدية للانهيار الكبير” نقرأ في وحدة “المسار والمصير” بين الاتحاد السوفياتي، وأشباهه في العالم وفي المنطقة وفي لبنان.
بنى الاتحاد السوفياتي ترسانات نووية وصاروخية وجاسوسية هائلة في صراعه الدامي مع الغرب، واعداً جماهير شعوبه بقرب انتصاره على الرأسمالية الأميركية الأوروبية، وقيام “ديكتاتورية البروليتاريا الأممية” على أنقاضها، وكانت القيادة السوفياتية تنفق موارد البلاد على التصنيع العسكري، وعلى تمويل الأحزاب الشيوعية في العالم، وعلى شراء صداقات حكومات الدول الفقيرة مثل كوبا والعراق وسوريا واليمن بالمساعدات والهبات التي كانت في أغلبها أسلحة. كل ذلك كان سعياً منها إلى أن تثبت لشعبها وللعالم أن الاتحاد السوفيتي قوة عالمية لا تقهر.
في النهاية كان لسقوط الاتحاد وملحقاته من الدول الدائرة بفلكه وفي اتحاده في العام 1991 دويّ عظيم، لكنه غير مفاجئ للمتابعين والمتتبعين والمخطّطين، منذ عشرات السنين. فقبل ثلاثين عاماً بالتمام من الانهيار، قال وزير دفاع الولايات المتحدة الأميركية في عهد الرئيس جون كيندي في 14 أيلول من العام 1961 روبرت ماكنمارا، في محاضرة ألقاها أمام أساتذة كلية الدفاع الوطني في واشنطن، “علينا أن نرغم الاتحاد السوفياتي على تغيير أولوياته. فالنظام الشيوعي يَعِد جماهيره بمجتمع من الرفاهية ينتفي فيه الفقر، وبمجتمع المساواة الذي ينتفي فيه التمايز الطبقي. لكي يحقق هذا الهدف يجب عليه أن يضع التنمية أولوية قبل الأمن. هنا ينبغي علينا أن نرغمه على أن يجعل الأمن أولوية ثم يضع التنمية في الدرجة الثانية. يجب علينا، من أجل ذلك، أن نشدّه إلى سباق تسلح يقطع أنفاسه، ويرهن موارده، ويتركه في النهاية ترسانة نووية من دون رغيف خبز أو قطعة لحم”. وهكذا كان.
هكذا هو الوضع اليوم مع كوريا الشمالية الواقعة تحت تداعيات وطأة “هوس التسلّح النووي والصاروخي والتقليدي”، حتى أن تحذير زعيمها كيم يونغ في 9 نيسان 2021 من مجاعة مميتة شبيهة بمجاعة التسعينيات والتي أودت بحياة مئات الآلاف، لم ينفع حتى الساعة.
وهنا نرى في الجمهورية الإسلامية في إيران “تلميذاً غير نجيب”، مع رسوبها في مادة التاريخ وقراءته وأخذ العبر منه، وها هي تسقط بعد أكثر من ستين عاماً في فخ الوزير ماكنمارا باعتمادها نفس “المسار” الذي رسمه الأميركي لتلقى نفس “المصير” السوفياتي.
إيران شأنها شأن الاتحاد السوفياتي تعمل على شراء وتمويل وتسليح حكومات وأحزاب وتنغمس في حروب لا طائل لشعبها الرازح تحت خط الفقر أن يتحمّلها. كذلك، ومع توالي الأزمات الداخلية والخارجية، نرى حكام الجمهورية في إيران – مع تزايد خوفهم من مواطنيهم ومن شكواهم – يوظفون ما تبقى من أموال الخزينة على قمع شعبهم.
نصل الى لبنان مع “ربيب” إيران، النموذج السوفياتي، أعني به “الحزب”، الذي يملك على ما يقول أمينه العام، مئات آلاف الصواريخ والمقاتلين المدّربين والذي يُدخل الدولارات الى لبنان (من إيران طبعاً)، والمنخرط في حروب المنطقة من سوريا الى العراق واليمن وغيرها وفي أعمال مشبوهة وحوادث أمنية في الأميركيتين وأفريقيا وفي دول عدة.
يحذو “الحزب” حذو ولّيه الإيراني في اعتماد “أولوية” ماكنمارا ألا وهي السلاح قبل الخبز، فأمينه العام قبل أن يستلم مسؤوليته في الحزب قال في حديث أوردته صحيفة النهار في 27 كانون الثاني من العام 1986، “يجب أن نعمل على إنضاج الممارسة للحالة الجهادية، فعندما يصبح في لبنان مليونا جائع، فإن تكليفنا لا يكون بتأمين الخبز، بل بتوفير الحالة الجهادية حتى تحمل الأمة السيف في وجه كل القيادات السياسية”… إذن السيف اولاً.
كما يتبين بالممارسة أن “السلاح” المفترض به أن يكون وسيلة مقاومة أصبح غاية في حدّ ذاتها. فعشية غزوة 7 أيار من العام 2008، رفع أمين عام “الحزب” السيد حسن نصرالله شعاراً لـ”غزوته”: السلاح للدفاع عن السلاح… وكتلته النيابية اسمها “كتلة الوفاء للمقاومة” أي الوفاء للسلاح، والتمويل يأتي تحت عنوان جمعية “هيئة دعم المقاومة” أي دعم السلاح، وأخيراً الحزب يريد رئيساً لا يطعن المقاومة أي لرئيس يشرّع السلاح.
طبعاً المقاومة هنا هي “السلاح” وليس مقاومة اسرائيل لأن الحزب مستنكف عن هكذا “مقاومة” منذ آب من العام 2006 تحت مندرجات القرار 1701، حيث “ينعم شمال اسرائيل أي الجليل بهدوء لم يشهده منذ نشوء دولة اسرائيل”. هذا ما لم يستطع أن يحصل عليه حتى مع اجتياح لبنان في عملية “سلامة الجليل” في العام 1982، على ما يقوله المسؤولون الاسرائيليون.
يجدر التنويه أن ما قلناه عن المصير الإيراني المرتقب ينعكس حتماً على مصير “ربيبه” وبيئته، إذ ثبَّت نصرالله ذلك بقوله في 24 حزيران من العام 2016، “طالما بإيران في فلوس نحنا عنا فلوس”.
أخيراً، يطرح أبناء بيئة “الحزب” مثل غيرهم من اللبنانيين الذين وصلوا الى حد الإحباط الجماعي والانتحار الفردي نتيجة الأوضاع المزرية والتدهور غير المسبوق، سؤالاً مريراً طرحه قبلهم أبناء الاتحاد السوفياتي وكوريا الشمالية ويطرحه اليوم الإيرانيون، “هل نُطعِمُ جياعَنا صواريخَكم”.
.jpg)