#dfp #adsense

أنا أمّ المقاومين والمقاومة

حجم الخط

أنا أمّي مقاومة، كوت بدلة الشهيد، ووضعتها على سريره تنتظره، ولما لاح الفجر وصل البيت ببدلة معطرة برمال وغبار المتراس، عالق على أطرافها دماء رفيق استشهد بين يديه في معركة شرف، “يي يمّي شو عالق ع بدلتك؟”، لم يلتفت الى عينيها كي لا ترى دمع عينيه “دم رفيقي يمّي”… وفي الصباح ودّعت ابنها، وفي المساء استقبلته في نعش أبيض وما زلت هناك معه في النعش.

أنا أمّ مقاوم بيتي كان هناك عند خطوط التماس، أطبخ منذ ساعات الفجر وأنتظر الأبطال ليأتوا بالعشرات وليرتاحوا ويتناولوا الطعام ويأخذوا معهم الزوادة لرفاقهم، وفي المساء أعقد اجتماعاً طارئاً وصديقاتي أمهات المقاومين، ونتقاسم أدوارنا للاعتناء بالأبطال.

أنا أمّ البطل الذي ترك الجامعة ليلتحق بمدرسة المقاومة، وليزود عن وطنه في وجه الغرباء والمحتلين، في زمن الحروب المباشرة وقوافل المرتزقة والدخلاء، ولما قرع جرس السلم نكروهم قبل صياح الديك آلاف المرات، وقالوا عنهم بكل عنجهية وجهل “ايديهن ملطخين بالدم”…!

أنا، أنا ابني “تلطخت” يداه بالدماء آلاف المرات، ولما كان يغسلها كنت أصرخ في وجهه “اترك يديك نظيفتين مطهرتين بدم الشهداء، عار عليك الاّ تكون هناك معهم حيث الدماء نبيذ المسيح، والشهادة قيامة الأرض مع الرب”. أنا ابني حمل البارودة وأطلق النار آلاف المرات في وجه العدو، أنا ابني تمزّقت بدلته العسكرية آلاف المرات، وكلما كنت أخيط له اخرى يأتيني بها مغمسة بدم رفيق.

أنا ابني برينجره المدوزن على خبطة أقدام الأبطال، داس على رأس الاحتلال ومرمغ وجهه البائس بتراب الذل، ولما حان الوقت، أنزل البندقية عن كتفه ووقف في ساحات الحرية وصنع ثورة الأرز وعاش انتصاره المؤجل حين رحل آخر جندي سوري محتل عن أرض لبنان.

أنا أمّ المعتقل في أقبية سفاح الشام، أجرجر انتظاري منذ أعوام طويلة، وأعلك وعود مسؤولين سفاحين تواطئوا مع الغراب على موت أولادنا أحياء، مات بعض مني على الطريق وأنا أبحث عنه، ومات البعض الآخر عند جفاف الدمع، ومات كل ما فيَّ عندما انتصر يأسي من أن القاه.

أنا أمّ المقاومين الأحياء، الذين ماتوا عندما تشلّعت أجسادهم في حقد المحتل، ونقصت أجسامهم قطعاً صغيرة كبيرة فصاروا أجساداً تسكنها روح بلا روح، ولولا ذاك العنفوان المزروع في ضلوعهم، لكانوا الآن رماد أرواحهم اليائسة.

أنا لست يائسة، وعيدي ليس للزعل، أنا أم فخورة، أنا بطلة لأنهم هم جعلوا مني أمّ أبطال، أريد أن يكون عيدي للفرح، للعنفوان، أريد أن أصرخ في وجه هذه الأرض الناكرة للجميل، “أنا أمّ مقاوم في المقاومة اللبنانية، أنا احترفت الصلاة لأجله ولم أحترف الخوف على الرغم من هلعي عليه، أنا أعطيته البندقية بيدي حين خرج مسرعاً ونسيها على الطاولة، أنا طلبت من العذراء مريم أن تكون أمّه في كل لحظة حين يغيب عنّي، ولما غاب للأبد قلت لها “هيدا ابنك اصطفلي فيه”.

أنا أمّ المقاوم على سنّ ورمح، شهيداً كان أم حيّاً يرزق، ميتة كنت أم على قيد الحياة، أعلن لكم فخري بنفسي واعتزازي بأمومتي، وأخبركم بأن ليس أجمل من أن أسمع من ينده عليّ “يا أمّ البطل”، أولادي صنعوا فخر لبنان، أولادي جعلوني أمّاً فخورة، أمّاً عظيمة، أمّاً شجاعة، بطلة مقاومة لأجل أولادي ولأجل وطني.

لا تندهوا عليّ بكلمة “أميّ” هيك حاف، لاء يا شباب، اهتفوا بالصوت العالي على مسمع العالم كلّه، “يَمّ المقاوم”، وأنا سأجيب “أنا هيك لأنكن ولاد المقاومة. أنا أمّ المقاومين والمقاومة، ولو لم أكن كذلك لاخترت أن أكون”…​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل