
حلّ الأحزاب بعامّة لا يتم الاّ في الدول الديكتاتورية أو التي يتولى حكمها العسكر، على أن هذا الإجراء إما يكون شاملاً الأحزاب كلها بقرار واحد لتعطيل الديموقراطية، وإما يستهدف حزباً معيناً من دون سواه بهدف التخلص منه عبر اختلاق حجج مختلفة، وقد تكون الخطوة مبررة إذا استندت الى وقائع حاسمة، في دولة تتمتع بالحرية والتنوع السياسي والحزبي، وليس في دولة ديمقراطية ظاهراً، تخضع لهيمنة فئة أو دولة أخرى أو ينحصر فيها التنوع في الشكل، فتسود فيها حالة شاذة يترتب عليها خلل فادح وفاضح في الديموقراطية، على غرار ما شهده لبنان في مطلع تسعينيات القرن الماضي.
حينها أُريد من حلّ حزب “القوات اللبنانية” من بين جملة أهداف أخرى، تكريس ضمّ لبنان الى منظومة الدول التي كانت تُعرف بجبهة الصمود والتصدي قبل أن يتمّ تسويق شعار الممانعة، حيث الهيمنة لحزب واحد حتى لو تعدّدت الأحزاب شكلاً، على غرار سوريا، حيث يتولّى حزب البعث القيادة، تحيط به أحزاب هامشية تدور في فلكه كلياً لمجرد الإيحاء بوجود ديمقراطية وتنوّع.
أمّا عملياً، فقد كان حلّ حزب “القوات اللبنانية” في 23 آذار من العام 1994، تمهيداً لاعتقال رئيسه سمير جعجع بعد نحو شهر، أي في 21 نيسان، الخطوة الأولى المدوّية وغير المسبوقة، بناء على تحقيقات كيفية واستنسابية، وسط مناخ قمعي حفل بالرسائل الدمويّة والترهيبيّة.
فقد استغل النظام الأمني اللبناني – السوري غياب العين الدولية والعربية عن لبنان، على خلفية التسليم بالوصاية السورية موقتاً، كي ترعى تنفيذ اتفاق الطائف، فاستفادت تلك الوصاية من هذا الغياب للتنكيل المنهجي بالطائف وضرب كل من يعارض تطبيقه أو عدم تطبيقه الاّ بما يتوافق مع رهانات النظام السوري، لاسيما مع تنامي النفوذ الإيراني عبر “حزب الله” بحجة مقاومة إسرائيل واستثناء هذا الحزب من عنوان حلّ الميليشيات.
اليوم وفي الذكرى التاسعة والعشرين لحلّ حزب “القوات اللبنانية”، يطل الحزب على المشهد السياسي من القمة، بوصفه الحزب الأول بحجم كتلته النيابية، وبتقدمه شعبياً من بعيد على الساحة المسيحية، وبدوره كرأس الحربة السياسية لدى الفريق السيادي في مواجهة “حزب الله” ومحور الممانعة الذي يحاول إعادة عقارب الساعة الى الوراء من باب الابتزاز والتهويل بحجة ملء الفراغ الرئاسي بأي ثمن، لاسيما تحت وطأة الأزمات الماليّة والاقتصادية والاجتماعية غير المسبوقة التي تسبب بها هذا المحور وحلفاؤه، علماً ألاّ حلّ جدياً في لبنان الاّ بحلّ آخر الميليشيات الباقية، ليحلّ الاستقرار وتستعيد الدولة سيادتها وقرارها.
