

تعددت صفحات النضال وبقي المضمون واحداً، القضية والمقاومة والشهادة. لكل مقاوم حكاية ومواجهة مع الموت ولكل رفيق طريقه وطريقته. هم أبطال، كانوا في وسط المواجهة، وضعوا حياتهم على كفهم وقدموها عربوناً للوفاء وإصراراً على البقاء. من قلب النار قاوموا، وبحروف من وجع ودم، وقعّوا أعظم الحكايات، ففاح بخور صمدهم على مذبح الوطن، وقصة جهاد سليمان، واحدة من هذه القصص.
بعد حلّ حزب “القوات اللبنانية” في 23 آذار من العام 1994، استشرس النظام الأمني اللبناني – السوري في اعتقال المحازبين والناشطين القواتيين، خصوصاً المقربين من الدكتور سمير جعجع، وكان جهاد سليمان أحدهم، كونه المسؤول عن أمن المواكبة في غدراس آنذاك. اعتقل بعد أيام من حلّ الحزب، وذلك في 28 آذار بتهمة أنه “قواتي”.
منذ اليوم الأول، أوقفوه مع ورقة الصقوها على كتفه كُتِبَ عليها، “مُتهم بتفجير كنيسة سيدة النجاة” لمزيد من الإذلال، وحاولوا إفهامه بأن العذراء مريم ويسوع لا يسمعانه هنا. وضعوه في ممشى الزنزانات في الطابق الثالث تحت الأرض، واقفاً معظم الوقت، مكّبل اليدين خلف ظهره ومعصوب العينين، وصار الداخل والخارج يضربه ويدعس على رجلَيّه.
بدأ التحقيق معه حول حرب الإلغاء والسلاح، وكانوا يصرّون على أن يعترف بما يريدون. بعد السلاح انتقلوا إلى أسئلة عن ساعات التفجير التي زعموا أنهم وجدوها في دير الراهبات قرب مقرّ غدراس، واعتبروا أن تلك الساعات هي نفسها التي استخدمت في تفجير الكنيسة، وأنه هو مسؤول عن هذا المخزن ومحتوياته!
في أول تحقيق أمام القاضي جوزيف فريحة في غرفة تحقيق وزارة الدفاع، كانت أصوات الرفاق الذين يخضعون للتعذيب تصل إلى القاعة حيث يتم استجوابه، إلى درجة دفعت بفريحة إلى الطلب من السجّانين تهدئة الوضع قليلاً. وكان جهاد يسمع الشباب يصرخون “يا عدرا… يا أمي.. هيدي الحقيقة…”
كان أسلوب التحقيق يبدأ باختراع قصة، ثم يمهلوه خمس دقائق للتفكير، ويعودون بعد ذلك إلى الاسئلة نفسها، لكن إجاباته لم تكن ترُق لهم فيعيدوه إلى التعذيب: “فلقة، بلانكو، بساط الريح”، وكل الطرق التي تُعتمَد في المعسكرات الشرقية. خضع سليمان لكل هذه الوسائل غير القانونية بل التي تُشعر الإنسان بأنه مجرد حشرة. كان التعذيب يستمر حتى يشعرون بإنه أصبح أَليَن وأصبح مطواعاً، فيعودون إلى السؤال الأول، “لمن سلّمت ساعات التفجير”؟. بقي الوضع على هذا المنوال، ثم عرضوا عليه اسماء ليستدرجوه، وراحوا يضربونه حتى يستسلم ويوافق معهم على سيناريو يخدم قصتهم التي ليست سوى قصة من نسج الخيال!
جلسة التحقيق القضائية الثانية كانت في قصر العدل حيث أنكر سليمان أمام القاضي الإفادة التي أُجبر على الإدلاء بها وتوقيعها، وقال إنها كانت نتيجة إملاءات وضغوط نفسية وجسدية. وعندما علموا بأنه تراجع عن الإفادة التي فبركوها، أعادوه الى غرفة التعذيب لتبكيل القصة وتقوية دعائمها، وليثبتوا زوراً أنه ارتكب الجريمة.
بعد جريس خوري، أصبح جهاد سليمان المتّهم الأول في تفجير الكنيسة، فأراحوا خوري من جلسات التعذيب.
لم يذق جهاد طعم الراحة إلا بعد اعتقال “الحكيم” وارتفاع عدد الشباب المعتقلين. مع ذلك، عندما كانوا يمرّرون الصاعق الكهربائي على الشباب كان يمرّ عليه الدور!
أمضى جهاد 50 يوماً وهو معصوب العينين ومكبلًا، ثيابه تلطّخت بالدم وبقي فيها طوال هذه الفترة من دون استحمام، ثم جرّدوه منها وبقي عارياً بثيابه الداخلية ولم يسمحوا له بمحام أو بمواجهة أهله. مرّت عليه أيام طويلة واقفاً “على الحيط”، حتى أنه كان يغفو واقفاً من شدة التعب وغالباً ما كان يسقط على الأرض ويتضرر رأسه، وكلّما شعر بالإرتخاء كانوا يصعقونه بالكهرباء أو بضربة على القدمين من الخلف.
راهنوا على أن جهاد ورفاقه سيكرهون الدكتور جعجع بسبب ما يحصل لهم خلال أيام قليلة، لكن شراسة عمليات التعذيب جعلتهم يدركون أن جعجع يخوض معركة الحق ضد الباطل!
