.jpg)
الثابت أن الاتفاق السعودي الإيراني، المفاجئ للقوى والأطراف في لبنان وفي مقدّمهم “حزب اللّه”، أربك الحسابات وخلَط الأوراق، وربَط الاستحقاقات اللبنانية بتطورات الإقليم والعالم أكثر من أي وقت سابق.
وقد ظهر هذان الإرباك والارتباك بوضوح في المقاربة الباهتة التي قدّمها نصراللّه خلال حديثه الأخير للاستحقاق الرئاسي، بحيث لم يجد سوى كلمة “بطء” لتوصيف هذا المأزق، وكأنه يمنّي النفس بفرض مرشحه للرئاسة ولو “ببطء”، علماً أن التطور الإقليمي المذكور أبعد هذا الاحتمال مسافة ضوئية عن التحقق، فضلاً عن استحالته الداخلية بسبب قصور “فريق الممانعة” عن استجماع أكثرية عادية، وعجزه الأكبر عن استجماع أكثرية موصوفة بثلثَي مجلس النواب.
وقد بدأ هذا الفريق يستشعر النتائج السلبية للتقارب الإيراني السعودي، خلافاً لما توقّعه ورسم حوله من آمال بلغت حد انتظاره صفقة مع طهران ودمشق على غرار ال”سين – سين” السيئة الذكر، وكأن التاريخ سيعيد نفسه هذه المرة بشكل مهزلة.
في الواقع، صدَم القرار السعودي الجديد، بالرؤية الطليعية لدى الرياض اقتصادياً وإنمائياً واجتماعياً وسياسياً حسابات “الممانعة”، خصوصاً لجهة الصلابة في رفض تسليم لبنان لرئيس “ممانع”، والتصدي للتسوية المشوهة أو المقايضة المشبوهة التي سعت باريس إليها، تحقيقاً لحلم “ماكروني” بموطئ قدم استثماري من مياه الناقورة إلى مشاريع إيران.
وانعكست هذه الصدمة على فقدان نصراللّه البوصلة الرئاسية، إلى درجة استنجاده، بواسطة تسريباته الصحافية، بالسفيرة الأميركية عبر تحميلها تكراراً قولاً لم تقله عن قبول واشنطن التعامل مع مرشح “حزب اللّه” كرئيس “شرعي” في حال انتخابه!
بينما تكرر واشنطن أنها تقف خلف السعودية في الملف اللبناني، وكذلك تضطر فرنسا للموقف نفسه، لعلمهما أن إنقاذ الاقتصاد اللبناني لا يمكن بدون المال الخليجي والسعودي تحديداً.
وهنا تبرز أهمية المعادلة بأن الاقتصاد أقوى من السلاح، حتى أن إيران نفسها أدركت فشل جبروتها العسكري في مواجهة اختناقها الاقتصادي، فاستنجدت بالسعودية لانقاذها.
وليس مصير جبروت سلاح “حزب اللّه” بأفضل من مصير مرجعيته التي بلغت مستوى التخمة العسكرية والنفوذ في المنطقة العربية، وبدأت النزول عن أعالي الأشجار السلطوية التي تسلّقتها.
وهكذا سيفعل “حزبها” في لبنان، وكذلك أذرعها بين سوريا والعراق واليمن.
وحين تحدثنا مراراً عن ضمور “العسكريتاريا الشيعية” كنا نستشرف هذه المرحلة الجديدة التي دخلتها طهران تحت مقتضيات اتفاقها مع الرياض بضمانة صينية وإشارة رضى ضمنية أميركية.
ومهما تأخر الوقت، سينعكس هذا الاتفاق إيجاباً على مستقبل لبنان، حين يدرك الجميع أن للسلاح جولة، وللتقدم الاقتصادي والحضاري ولحقوق الانسان ألف جولة.
إن توق الشعوب إلى التحرر والانتماء للحداثة أقوى من أي سلاح وقمع.
ومَن يظن أن النظام الإيراني، ومثله السوري، وأشباههما في العالم، أنظمة خالدة، هو حكماً موهوم ومصدوم بحقائق الحياة.