#dfp #adsense

معركة الكحالة وانتصار أبناء الأرض

حجم الخط


تاريخ من تاريخ…

لأننا واجهنا ببسالة دفاعاً عن لبنان، ولأننا نصرّ على بناء الدولة وعلى ألا يتكرر الماضي، نسترجع من ذاكرة الزمن أحداثاً خبرناها، لتكون العبرة لمن اعتبر.

نعم، هي الذكرى للعبرة وليس استفزازاً، الذكرى للقاء عابر مع أبطال صنعوا مجد لبنان ويستحقون العودة إليهم عبر صفحات الوقت. الذكرى لتكريم من كانوا متراساً بأجسادهم ليموتوا هم، ويحيا لبنان.

 

بنبرة عسكرية جافة، ظهر العميد عزيز الأحدب مباشرة على شاشة التلفزيون في 11 آذار من العام 1976، معلناً “البلاغ رقم واحد”، ومنصّباً نفسه حاكماً عسكرياً موقتاً، فطلب من رئيس الجمهورية ومن الحكومة الاستقالة خلال 24 ساعة، وانتخاب رئيس جديد للبلاد، مؤكداً أن خطوته تلك ليست انقلاباً. بعد إذاعة العديد من بلاغاته، لم يتقدم الأحدب قيد أنملة لترجمة بلاغاته التلفزيونية، ولم يتخذ أي تدبير يذكر كونه لا يملك أي قوة عسكرية على الأرض، بل استفاد من تأييد رئيس جهاز الاستخبارات لدى منظمة “فتح” أبو حسن الذي وفّر له قوة عسكرية فلسطينيّة للسيطرة على مقري الإذاعة والتلفزيون. رفض الرئيس سليمان فرنجية الاستقالة، مؤكداً عزمه الدفاع عن الشرعية، وسانده حزبا “الكتائب” و”الأحرار”.

بعد أيام قليلة وتحديداً في 25 آذار، كانت الوية سورية متعددة من القطع المختلفة، تنتظر أوامر قيادتها للتحرّك إلى لبنان على الجهة المقابلة للحدود اللبنانية في الشمال والبقاع. في تلك الأجواء وقعت معركة الكحالة بين أبناء المنطقة، الذين شرعوا يدافعون عن بلدتهم دفاع الأبطال وبعض المنظمات الفلسطينية، فيما فشلت محاولات المعتدين اقتحام البلدة مرات عدة، أمام صمود أبناء الأرض، مخلّفين وراءهم العديد من القتلى والجرحى وكميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة.

مع بداية الحرب في العام 1975، راحت مجموعات فلسطينية تعيث فساداً في المنطقة، فترفع الدشم والتحصينات، وتستقدم السلاح والمسلحين، وتنصب الحواجز وتقوم بأعمال الخطف. هُجّر المسيحيون وفقدوا الكثير من أبنائهم بفعل عمليات الغدر التي قام بها المسلحون الفلسطينيون، إذ لم يكن يمر يوم من دون وقوع حادثة مروعة أو عملية قنص، وفي كل مرة كانت التجاوزات تشتد، ومنها خطف خمسة أشخاص من الكحالة في عاليه، على يد جماعة “فتح”، التي لم تفرج عنهم إلا حين قام أهالي الكحالة باعتقال مضاد، كأحد وسائل الضغط على الخاطفين.

إزاء هذا الوضع المتردي، قام مشايخ عاليه وأهاليها بالإجماع، بالاستنكار والشجب ورفض هذه التجاوزات، محمّلين الغرباء مسؤولية هذه الاعمال لزرع الفتنة بين أبناء البلد الواحد واللعب على المشاعر الطائفية، لتسهيل مهمتهم باحتلال لبنان.

وعلى الرغم من جهود التهدئة، أتت حادثة الاعتداء على البطل جوزف نمر الزغبي، حيث سقط أربعة قتلى وجريح واستشهد جوزف، لتغيير في واقع الاعتداء على أبناء الكحالة الأبطال الذين امتشقوا السلاح بعدما تخلت عنهم الدولة. تزامناً كانت القوى المناهضة لهم تتمركز على التلال المحيطة والمشرفة على البلدة وخصوصاً عندما كانت تحتدم المعارك على محاور القتال التقليدية في عين الرمانة وغاليري سمعان.

بدأ الفلسطينيون يقصفون البلدة فاستشهدت جنفياف بجاني، وشرع المقاومون من أبناء الكحالة بإقامة المتاريس والتحصينات وتعزيز مرابض المدفعية، منسّقين مع كل قوى “المقاومة اللبنانية” الموجودين في المنطقة.

الأحد 28 آذار من العام 1976، تعرضت الكحالة لهجوم عنيف بعد التمهيد له بقصف مروّع. فكان الأبطال بالمرصاد للمهاجمين، حيث اندحروا يجرون وراءهم الخيبة والعديد من القتلى من المرتزقة وعناصر المنظمات الفلسطينية.

واللافت، أن الكثافة المدفعية والأعداد الهائلة من المقاتلين المخططين للمعركة، جعلتهم يتوهمون أن باستطاعتهم احتلال الكحالة وإكمال الطريق لإحتلال القصر الجمهوري، حيث عنونت إحدى الصحف الاجنبية “معركة الكحالة أكبر معركة على أصغر رقعة أرض”.

توالت الهجمات على الكحالة من دون انقطاع، فتصدّى أبناء الأرض للهجوم تلو الآخر، إلى أن كان يوم 31 آذار ـ 1 نيسان من العام 1976، حيث مُهّد لأشرس هجوم. حشد المهاجمون الآف المقاتلين أغلبهم من المرتزقة وأرسلوهم إلى أحراج الكحالة على دفعات، فردّتهم المقاومة اللبنانية على أعقابهم وكبّدتهم خسائر بالأرواح والعتاد.

إنها حكاية أرض الأبطال ونهر الدماء الذي لا ينضب عندما يكون الوطن بحاجة إلى أبنائه. هذه هي “المقاومة اللبننانية” التي توحّدت بعد ذلك في مطلع الثمانينيات تحت اسم “القوات اللبنانية” التي انشأها البشير والتي ضمت مختلف أحزاب الجبهة اللبنانية.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل