.jpg)
ثمة نقاط جديرة للتأمل في خطاب رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل في ذكرى 14 آذار، علماً أن الاحتفال جرى بعد هذا التاريخ بـ12 يوماً.
النقطة الأولى تتعلق بمحاولة متجددة للتفرد بيوم 14 أذار وتحويره لصالحه. ففي أدبيات التيار، يشير هذا اليوم الى تاريخ إعلان العماد عون حرب التحرير ضد سوريا في العام 1989، وليس الى ذلك اليوم من العام 2005، بحيث اجمع قسم كبير من اللبنانيين في تظاهرة لم يشهد لبنان مثيلاً لها، على رفض الهيمنة السورية على لبنان. وطالبوا بانسحاب قواته من لبنان وكشف الحقيقة في ما يتعلق باغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري الى جانب إزالة المنظومة الأمنية اللبنانية ـ السورية التي فتكت وقمعت اللبنانيين لسنوات.
وزعم باسيل “نحن منبقا 14 آذار لما الكل بينسوه”، مستعيداً شعار الحرية والسيادة والاستقلال الذي هتف به المتظاهرون. لكنه أضاف أن “التحرر ما بيكمل إلا بتحرر اللبنانيين ودولتهم من ثنائية الفساد والتسلط”. وهو بذلك يبعد عن نفسه وتياره كل الشبهات التي هامت عليه في هذا الخصوص.
في النقطة الثانية، بعد تشديد على الأخطار الجمة التي تتهدد لبنان، جدد المطالبة بالحوار والاتفاق، مطالبا بـ”الإقلاع من تخوين بعضنا اذا حكينا مع ناس مختلفين معهم لأن لا حل إلا بالاتفاق”. أما مواضيع الحوار فهي برأيه تتخطى اسم الرئيس لتصل الى أولويات العهد وبرنامج الحكومة، ملمحاً أيضا الى تطوير النظام اللبناني. إنها محاولة جديدة لفتح كوة للحوار مع الأطراف المسيحية الأخرى التي لم تبد حماسة للتحاور معه اذا لم يكن الحوار مبنياً على أسس وضمانات جدية. هذا الطلب المتجدد لباسيل يعكس رغبته في فتح كوة في التطويق الذي يعاني منه في الشارع المسيحي خصوصاً.
كذلك، عاد إلى نغمة “لوحدنا”، أي أن التيار مستهدف من الجميع والكل يحاول عزله بسبب نضاله على حد قوله. إنها محاولة لشد العصب وتعظيم الدور بتصوير التيار يواجه وحده العواصف والأخصام من كل جنب وصوب. وهنا طمأن باسيل المناصرين بأن عصب التيار يقوى أكثر في الشدائد، وأضاف أن الحلول لن تأتي على حسابه، مثلما فشلت في الأعوام 1990 و2005، على حد قوله.
وتطرق رئيس “الوطني الحر” الى ما سماه “أخطاء من الداخل في وسائل التواصل الاجتماعي والتي لا تعبر عن أدبياته وأخلاقه عند مخاطبة ناس يختلف معهم”. وهدد بأخذ إجراءات عقابية بحق الشتامين من تياره. وقد يعكس هذا التوجه رغبة في تهدئة الأوضاع مع الأطراف المتخاصمة مع التيار، وعلى رأسهم القوات اللبنانية، تمهيدا للحوار المطلوب وربما بلوغ اتفاق ما معهم ومع باقي الأطراف المسيحية في المستقبل القريب، ربما في إطار مبادرة بكركي الأخيرة للحوار المسيحي، لو اتخذت شكل دعوة للصلاة.
وابدى باسيل اهتماماً بتجديد دم التيار ورفده بشباب جدد بعدما تلقت قاعدته ضربات قوية منذ انتفاضة العام 2019. وطرح مشاريع اقتصادية لتأمين تمويل التيار. وجدد نغمة محاربة الفساد، مشيراً الى الملفات الخاصة بحاكم المصرف المركزي رياض سلامة الذي دأبت أوساط التيار على مهاجمته، ملصقاً به معظم التهم ومبرئاً نفسه من أية شبهة فساد.
هذا التوجه مفهوم اذ انه يضرب على الوتر الحساس للمواطنين من حيث وضع اليد على أموال المودعين وارتفاع الدولار وطبع الليرة ونسب التضخم الهائلة والوضع الاقتصادي الكارثي. لكنه يحصر المسؤولية بطرف واحد بل شخص واحد، متناسياً الأموال الهائلة التي صرفت على الكهرباء من دون جدوى، والدعم غير المجدي على السلع، والتهريب الواسع النطاق على الحدود اللبنانية ـ السورية، ومشاريع السدود والنفقات والتوظيفات العشوائية في الدولة ورفع الرواتب بشكل عشوائي، وعدم الاستفادة من مؤتمر “سيدر”، ورفض تنفيذ الإصلاحات المطلوبة من صندوق النقد الدولي، وضرب العلاقات مع دول الخليج وتغطية سلاح حزب الله، الى ما هنالك من قرارات خاطئة ساهمت مساهمة أساسية في الوضع الاقتصادي المأساوي الذي يعيشه لبنان اليوم.
ونزولاً عند الجو المسيحي الضاغط، تكلم باسيل عن “وقف العد” ونادى باللامركزية الموسعة. وطالب بتنفيذ قانون استعادة جنسية (للمسيحيين ضمناً) ملمحاً إلى أن رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي هو من يعرقل تنفيذه.
من ناحية أخرى، حذر من خطورة اللاجئين السوريين الكثيف مطالباً بعودتهم الى وطنهم. وغمز الى “عروبة مشرقة على شاكلة الخليج الذي يتطور برؤية حكامه اليوم وبحسن جوار بسياسة لا تنقل النازحين والإرهابيين. وبذلك ابتعد كثيراً عن أدبيات التيار السابقة وحاول التقرب من دول الخليج مجدداً.
وفي موضوع رئاسة الجمهورية، اتهم ما سماه المنظومة، من دون تحديد مكوناتها، بأنها جمعت العالم ضد الرئيس القوي، أي العماد عون، لمحاصرته وإسقاطه، تبريراً للفشل المريع لعهده. وبناء عليه، اعتبر أن هذه المنظومة تريد اليوم الإتيان برئيس ضعيف، ملمحاً الى المرشح غير المعلن سليمان فرنجية.
وقال باسيل إنه أبلغ حزب الله أنه غير مرشح وأنه يسعى لرئيس مقبول من الكل. وقدم هذا القرار بأنه تضحية من قبله لأجل البلد، علماً أن انتخابه في ظل العقوبات الأميركية والرفض السعودي والداخلي الواسع له في غاية الصعوبة. ولو كان ذلك متاحاً لما تردد!
ومن أهم ما كشفه عن أنه تلقى وعداً قاطعاً من حزب الله أنهم لن يطرحوا ولن يقبلوا أحداً لا يقبل به هو، حتى لو تأمن 65 صوتاً لسليمان فرنجية على سبيل المثال. واكتفى بالقول إنه بعد ذلك “شفنا أداء مختلفاً”. وهو بذلك يشير الى استمرار وتعميق الخلاف مع حزب الله. وانتقد تمسك أحزاب 8 آذار، ويعني بذلك الثنائي الشيعي أساساً ببند واحد في المرشح المطلوب من قبلهم ألا وهو عدم الطعن بالمقاومة. واكد في هذا السياق على عمق الهوة بينه وبين الثنائي، مشدداً على ضرورة إنقاذ البلد. لقد استشعر باسيل عمق الأخطار المحدقة بسبب الأوضاع الاقتصادية التي تقتك بالمسيحيين وبأنصاره منهم، مهددة أسس الكيان ووجود لبنان. وبذلك تقرب من رؤية باقي الأحزاب المسيحية السيادية.
وأيضاً جدد الدعوة للموارنة تحديداً للحوار والتوافق على رئيس جديد وعلى ما سماه “الأساسيات المسيحية والوطنية والكيانية”.
الخلاصة أن جبران باسيل يستشعر الأخطار الناتجة عن الانهيار الاقتصادي والمأزق السياسي الراهن. ويؤكد من ناحية أخرى ابتعاده المتصاعد عن الثنائي الشيعي، مما يدفع به نحو ملاقاة باقي القوى المسيحية السيادية. ويبقى أن نرى كيف سترد هذه القوى على دعوة باسيل الأخيرة.
مصلحة الأساتذة الجامعيين في حزب القوات اللبنانية