
من يوم يومنا عشنا مقاومين. من الأرض جعلناها مورد الحياة، ومن التراب جعلناه قضية الكرامة، ومن عاداتنا وتقاليدنا وجدنا لنا وطناً يشبه وجه الرب، فكنّا مقاومة الأجيال لكل الأجيال وهكذا نبقى.
مقال على حلقتين يختصر نضال وصمود أهلنا في الجبال والتلال وتلك الأرض الطيبة.
من كان ليتصوّر أن جرن الكبة، وفستان العروس المزيّن بالدانتيل، وصحن المخلوطة وكيس القمح والجرس، هم من ضمن عدّة مقاومة وصمود في قرانا وجبالنا؟!
مقاومون منذ مار يوحنا مارون على الأقل، وحتى اللحظة. بالبواريد، بالسلاح الأبيض، بالرشاش والدبابة لاحقاً، جعلنا متاريسنا أعراس حرية وكرامة. كان وعر الجبال والتلال العالية جبهاتنا، وفي المدينة كانت شقعات أكياس الرمل تلك، مذابح نضال وشهادة وحياة. حملنا البواريد لنصدّ العدى صحيح، ونعلنها بكل فخر وتعالٍ وفوقية إذا جاز التعبير، فوقية التفوق على من تخاذلوا وجبنوا في الدفاع عن الأرض، ولما بقيت الأرض لأهلها بسبب بنادق الأبطال، اتهمونا أن أيادينا “ملطخة” بالدماء! لم تتلطخ أيادينا بالدماء، بل تعمّدت بكهنوت المقاومة حتى الاستشهاد، المقاومة كهنوت، سواء بالبارودة أم بالصمود في وجه الرياح العاتية، هي مقاومة حتى الحياة للبنان. متنا ليحيوا وليبقى الوطن، وأي اعتزاز بعد أكبر من ذلك؟ لا يوجد.
على مرّ التاريخ، لم تقتصر مقاومتنا على حمل بنادق الشرف، كان لنا وجه آخر للصمود. أنا ابنة الضيعة البقاعية في قلب سهل البقاع. على مرّ الأجيال، لم تكن الحياة فوق دائماً وردية، لكنها دائماً شبعانة من حالها. “أهل الجبل ناس شربانين حليب السباع وعيوننا شبعانة”، يقول أهل الجرد الصامدون.
كانت الحياة صعبة وعرة كجبل الباروك، كتلال جبل الشيخ، ومع ذلك صمدوا. هناك كان للمقاومة أوجه كثيرة، ناس الجبال الذين لم يتخلوا يوماً عن بندقية، هي من ضمن منظومة الشرف والرجولة في ثقافتهم، تحرس البيت والقرية من غدر غريب أو دخيل، وفي عاداتهم وتقاليدهم وتراثهم الخالد الذي لا يموت، أدخلوا الى المقاومة مفهوماً جديداً في الصمود. “في الحياة القروية وخصوصاً في جبل لبنان والبقاع والأطراف، تطور مفهوم الصمود انطلاقاً من الحاجة. اخترع أهالي الجبال ما يلزمهم كي لا يحتاجوا أحداً، خصوصاً أن خيارهم كان إما الخضوع للمحتل أو السلطة، وإما الحرية والاستقلال الذاتي، فاختاروا أن يكونوا احراراً” يقول الدكتور ايلي الياس.
الحرية غالية غالية، وأهل الجبال، المسيحيون تحديداً، ما كان بإمكانهم المضي في منطق الخضوع أو الاستسلام لسلطة غالباً ما كانت خاضعة لإرادة محتل ما، فقرروا إما أن نكون عبيداً في أرضنا، أو من أرضنا نبتدع منظومة صمود واستقلالية، فكانت المقاومة عبر الاكتفاء الذاتي. زرعوا كل شيء ليأكلوا مما يزرعون، وليحصدوا من سنابلهم رغيف معاجنهم، عصروا زيتونهم لتمتلئ خوابيهم، شربوا حليب بقرهم وأغنامهم، ولما عجزوا عن شراء اللحوم، لجأوا الى أعشاب الطبيعة والسليقة، فكانت القرّة والحارقة والدردر والهندبة والبلعصون وسواهم من أطيب موائدهم الصحية.
لكل شيء ابتدعوا بديلاً كي لا يحتاجوا أحداً، والأهم كي لا تكون الحاجة مدخل خضوعهم لسطوة أحد، فصنعوا لامركزيتهم الإدارية المدهشة، التي صنعت منهم مجتمعاً ملتفاً على بعضه ومقاوماً بامتياز.
زرعوا القمح، ومنه استخرجوا الطحين والبرغل، ومن البرغل اخترعوا أكلات قروية ما كانوا ليتصوروا أنها صارت الآن هي الأطيب ومن ضمن قائمة الأكل اللبناني التراثي العريق، فكانت كبّة الجوز بدل الكبّة النية، وكبة البطاطا والنِزكل والمنسوفة والمخلوطة وما شابه. “لما كان الأتراك يصادرون القمح من البيوت والمطاحن لأجل عسكرهم، كان أهل الجبال يخبئون القمح بعد الحصيدة ويطحنون الغلال سراً ويخبزون ليلاً بالسر، ويتوزعون الخبز فيما بينهم، كي لا يجوع أحداً منهم”، يقول الدكتور الياس، الذي يشدد على قيمة نادرة في المجتمع المسيحي القديم المقاوم، وهي العونة. “حتى بالعلاقات الاجتماعية اعتمد مسيحيّو الجبال، على التكاتف فيما بينهم ليعيشوا الاكتفاء الذاتي وليصمدوا بكرامة، بتعاضدهم الاجتماعي مع بعضهم البعض خلقوا قوة كبيرة، وقامت هذه العلاقات على العونة بكل شي، وهي أساس العلاقات وهي التي خلقت هذا التيار الصلب المقاوم الذي تمكن من تخطي كتير من الصعوبات حتى بعز الحروب والمجاعة”، يقول الياس.
تكافُل أهل الجبال كان يغضب “المحتل العثملي” كثيراً، الذي ظن أنه صادر كل طحين البلاد، وعندما يستيقظ صباحاً يجد الأهالي في حال شبه طبيعية، كان يُغضبه الاّ يسمع أنين الجياع بسبب المعاجن الخاوية، فيرسل جواسيسه ليعرف السبب، وكان الأهالي يعرفون غالباً هوية هؤلاء الجواسيس فيتكاتفون ضدهم، ويتفقون فيما بينهم على عدم إعطائهم أي معلومة مهما كانت بسيطة، فشكلوا بذلك مقاومة غير مسلحة لمنع المحتل من اختراقهم.
(يتبع)
