13 نيسان 1975 ـ 21 نيسان 1994: المواجهة مستمرة

حجم الخط

كتب شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1739

13 نيسان 1975 ـ 21 نيسان 1994

الخط اللبناني لم يستسلم والمواجهة مستمرة

في 13 نيسان 1975 بدأت الحرب اللبنانية بصورة عملية، وفي 21 نيسان 1994 اعتُقل رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع بعد أن حُلّ الحزب قبل أقل من شهر في 23 آذار. المشترك بين المحطتين هو الحرب المستمرة على الخط اللبناني الذي يريد دولة مستقرة ومزدهرة كما كانت في خمسينات وستينات القرن الماضي وكأي دولة لا أولوية لها خارج أولوية شعبها ونمط عيشه.

لم تنتهِ الحرب في العام 1990 إنما استمرت فصولا بأوجه مختلفة، وسيبقى لبنان مهددًا بوجوده واستقراره ما لم تتعِّظ كل الفئات اللبنانية من أهوال الحروب وكوارثها، ولو لم ينجح النظام السوري في الإنقلاب على إتفاق الطائف الذي أنهى الحرب، لكان يُفترض مواكبته وترجمته بحوارات ولقاءات ونقاشات تقود إلى عِبَر وخلاصات تحصِّن المجتمع اللبناني تجنّبا لحروب جديدة، لأن أسوأ ما يصيب الشعوب هو الحروب الداخلية التي تطغى فيها الغريزة على العقل وتنزلق البلاد إلى العنف والتخلُّف وعدم الإستقرار.

فالهدف الأساس إذاً من حرب 13 نيسان تحويل لبنان إلى ساحة للممانعة، وما زال البلد منذ خمسة عقود تقريبًا ساحة لهذا الفريق على رغم تبدُّل أجنحته، والمحاولة الأولى لإعادة بناء الدولة انتهت مع إغتيال الرئيس بشير الجميل، والمحاولة الثانية لإنهاء الحرب عن طريق إتفاق الطائف انتهت مع الإحتلال السوري، والمحاولة الثالثة لإعادة الإعتبار لمشروع الدولة مع إنتفاضة الإستقلال انتهت مع سلاح «حزب الله» ودوره، وبالتالي ما زال لبنان عالقاً في 13 نيسان.

وقد دلّت الأحداث والتطورات وتحديدًا في انتفاضتي 14 آذار و17 تشرين أنه لا يكفي أن يثور الناس وينتفضون ليتغيّر الوضع وتستقيم الأمور على رغم أن الإنتفاضات تشكل مبدئيًا تعبيرًا عن لحظة وعي الشعوب لواقعها المرير وسعيها لتغييره، لأن الذراع الممانعة المسلّحة والمنظمة تمنع الناس بالقوة والعنف من تحقيق أهدافهم، وأي محاولة للردّ بالمثل تعني إعادة إحياء الحرب والفرز بين اللبنانيين.

وما زال محرِّك 13 نيسان، ويا للأسف، أقوى من محرِّكي 14 آذار و17 تشرين، والسبب بسيط لأن هناك قوة عسكرية داخلية تستمد قوتها من حليف إقليمي تمنع الوصول إلى تسوية تعيد الإعتبار لمنطق الدولة وفلسفتها، ولو لم يكن «حزب الله» مسلّحًا ومدعومًا من إيران لما تفاقمت الأزمة فصولاً منذ العام 2005 إلى اليوم، وبالتالي للخروج من زمن 13 نيسان يجب تحقيق المساواة بين اللبنانيين ومن ثمّ الإنتقال إلى تطبيق الدستور أو تطويره.

وبهدف التخلُّص من 13 نيسان يجب إما أن يسلِّم «حزب الله» سلاحه للدولة، وهو ليس في هذا الوارد، وإما أن ينهزم داخليًا، ولا مؤشرات إلى ذلك، وإما الإنفصال عنه، والمسألة ليست بهذه السهولة، وإما أن تبدِّل طهران في دورها من نشر ثورتها عسكرياً إلى دور سياسي، وهذا ما يفترض إنتظار ترجمات الإتفاق السعودي -الإيراني، على رغم الشكوك بتخلي إيران عن أذرع استثمرت فيها لعقود وتشكل جزءًا لا يتجزأ من علّة وجودها، وخصوصًا أن تحقيق هدفها الديني يتم بالإتكاء على عاملي العنف والسلاح.

ولا شك أن الناس مسؤولين بشكل أو بآخر عن استمرار 13 نيسان، إما من خلال إستسلام فئة منهم للأمر الواقع، وإما عبر تبدية فئة أخرى أولوياتها الخدماتية التي لها علاقة باللحظة على أولويات وطنية تُخرجها من واقعها المزري وتضمن مستقبلها من دون منّة هذا الفريق أو ذاك، وإما بسبب غياب الوعي السياسي لدى شريحة واسعة تحرِّكها غريزتها بدلاً من عقلها لجهة ضرورة قيام الدولة وترسيخ الإستقرار. لكنَّ المسؤولية الأساسية تبقى على الفريق المسلّح الذي يمنع اللبنانيين من العيش بشكل طبيعي كأي شعب في العالم يعيش في كنف دولة عصرية.

وفي الذكرى 48 لـ13 نيسان يُفترض إطلاق وعد وعهد بأن الأزمة اللبنانية يجب أن تنتهي قبل إحياء ذكرى نصف قرن على إندلاع الحرب، وذلك إما بفرض أمر واقع رفضًا لإبقاء البلد تحت هيمنة فريق يخطف الدولة ويعلِّق الدستور، وإما مواكبة الإتفاق السعودي – الإيراني وتسريع ترجماته اللبنانية بما يحفظ هوية لبنان وشعبه، لأن الشعب اللبناني لم يولد ليعيش وسط مستنقع الحروب والأزمات والفشل.

واعتقال الدكتور سمير جعجع في 21 نيسان هو نتيجة لحروب 13 نيسان المستمرة، ولكن لماذا اعتُقل الحكيم؟

اعتُقِل أولا على خلفية إنتقامية لأنه واجه الممانعة على معظم الجبهات العسكرية وأسقط إتفاقاً كان الهدف منه ربط بيروت بدمشق دستوريًا، كما أسقط مؤامرات الممانعة العسكرية والسياسية، وأخّر وضع اليد السورية على لبنان، ولم يتزحزح عن موقفه السيادي على رغم تبدُّل الأوضاع وموازين القوى.

اعتُقِل ثانيًا لأنه رمز لقضية ومقاومة لبنانية وخط تاريخي وقافلة من الشهداء وعشرات آلاف المناضلين، واعتقاله كما حلّ حزب «القوات» كان الهدف منه إعلان هزيمة هذا الخط الذي دافع عن لبنان واستقلاله وسيادته.

اعتُقِل ثالثا لأنه نقل «القوات» في الحرب من ميليشيا إلى جيش منظّم وبنية دولة موقتة تمهيدًا لعودة الدولة الدائمة، ولأنه مع تسليم السلاح بدأ يُعدّ العدّة لتنظيم الحزب سياسيًا وجماهيريًا، وأكثر ما يخيف الممانعة هو التنظيم القادر على تحريك الناس والمواجهة وقلب الطاولة في الوقت المناسب.

اعتُقِل رابعًا من أجل أن يشكل درسًا لكل الشخصيات والقوى السياسية السيادية بأن مصيرها لن يختلف عن مصير «القوات» ورئيسها في حال تجاوزت السقف السياسي المسموح لها التحرُّك تحته.

اعتُقِل خامسًا لأن مجرد وجوده خارج المعتقل، ولو محاصرًا ومن دون وزراء ونواب، وفي ظل جيش سوري ودولة محكومة من رأس هرمها حتى أسفل قاعدتها من النظام السوري، يُقلق ساكن قصر المهاجرين الذي يريد أن يضمن إستمرار جيشه في لبنان، ما يتطلّب تحويل الأرض اللبنانية إلى أرض محروقة خشية من تبدُّل في موازين القوى الخارجية تتم ملاقاته لبنانيًا، وبالتالي يريد قطع الطريق أمام أي حيثية لبنانية تعيد الإعتبار للبنان الوطن والدولة والسيادة.

فالهدف من 13 نيسان إسقاط الدولة وتحويل الوطن إلى ساحة وإلحاق الهزيمة بأصحاب المشروع اللبناني وتدجين اللبنانيين، والهدف من 21 نيسان إبقاء الدولة مخطوفة والوطن ساحة والتخلُّص من الفريق القادر على إسترداد السيادة، ولكن من دبّر 13 نيسان توهّم ان بإمكانه وضع يده على البلد في غضون أيام، ومن خطّط لـ21 نيسان توهّم أن الإعتقال يؤدي إلى الإستسلام ونهاية للخط المقاوم اللبناني، ومن توهّم في الأولى خرج من لبنان، ومن توهّم في الثانية خرج من بعده بعقدين وثلاث سنوات، ومن يتوهّم اليوم أنه سيعمِّر طويلا ويغيِّر هوية البلد سينتهي مشروعه عاجلاً أم آجلاً..

والمشترك بين 13 و21 نيسان وعلى الضفتين أن الخط الممانع أسقط الدولة واعتقل الرمز المدافع عنها، فيما الخط اللبناني لم يستسلم في الحرب ولا في السلم، والمواجهة مستمرة لإعادة لبنان إلى ما قبل حرب نيسان واتفاق القاهرة..

شارل جبور ـ رئيس جهاز الإعلام والتواصل في «القوات اللبنانية»

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل