Site icon Lebanese Forces Official Website

الدولار الجمركي… الآتي أعظم!

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1739

الدولار الجمركي… الآتي أعظم!

ضَرَبَ المؤسسات ولم يُحسِّن الإيرادات

 

في الأول من آذار رفعت حكومة تصريف الأعمال الدولار الجمركي من 15 ألف ليرة إلى 45 ألفاً أي 10 أضعاف دفعة واحدة وبقرار مفاجئ.. الهدف هو زيادة إيرادات الدولة في ظل الأزمة المالية والإقتصادية، يقول المعنيون. لكن بحسب الإقتصاديين لم يختلف هذا القرار بعشوائيته عن سائر القرارات الأخرى غير المدروسة للسلطة. ويقولون أيضًا إن زيادة المداخيل تتم بتنشيط الإقتصاد وتحسين ا لجباية ومنع التهريب والتهرب الضريبي لا برفع الجمارك الذي يحد من الإستهلاك وبالتالي الإستيراد ويزيد الأعباء على مؤسسات خاوية تصارع الموت فيدفعها إليه بعينين مفتوحتين!

جاء في كتاب رئاسة مجلس الوزارء الى وزارة المالية الذي طلب رفع الدولار الجمركي من 15 ألف ليرة إلى 45 ألفًا، أنه سيتم رفع المتوسطات الشهرية لأسعار العملات الأجنبية التي يجب اعتمادها في احتساب الرسوم والضرائب على السلع المستوردة. وبالتالي فإن رفع الدولار الجمركي سيكون من اليوم وصاعداً، إجراءً شهريًّا يتم بموجبه تعديل السعر المعتمد، تماشياً مع ارتفاع سعر الدولار وزيادة الإنفاق على القطاع. وفي الواقع فإن هذه الأجور كانت تقاس يوم بدء تطبيق القرار في الأول من آذار على قيمة 90 ألفًا للدولار، فيما هو في الأسبوع الأخير من الشهر يزيد على الـ 120 ألف ليرة.

خطأ جسيم وتداعيات

بعد مرور حوالى الشهر على تطبيق القرار باتت النظرة أكثر واقعية لما هي عليه النتائج إيجابًا وسلبًا. فالإيجابيات التي استند إليها القيّمون لاتخاذ القرار التهمها استمرار الإنهيار الإقتصادي والنقدي، وتوسّع انتشار الفساد وسوء الإدارة. وفي السياق، يقول رئيس جمعية الضرائب اللبنانية هشام مكمل «إن قيام الدولة بهذه الإجراءات يُعتبر خطأً جسيماً يؤدي الى مزيد من التضخم وتآكل قيمة الأجور، كما أنه يؤدي الى تآكل الرأسمال التشغيلي للمؤسسات التجارية المستوردة وللمصانع». وهنا بيت القصيد. فهذه القطاعات والمؤسسات التي كانت تعاني أصلًا وتعيش حال صراع البقاء، ما كان ينقصها غير هذه العثرات والقرارات العشوائية لتسقط! «فرفع الدولار الجمركي أو زيادة سعر الصرف الرسمي ليسا الحل لرفع إيرادات الدولة وتمويل زيادة رواتب موظفي القطاع العام، إذ لا بد من وضع معالجات للحد من إنهيار العملة»، بحسب مكمل.

أولا في الإيرادات، تبيّن أن القرار وإن ساهم في رفعها، إلا أنه لم يحقق الغاية المرجوّة منه لأن الإستيراد تراجع مع تراجع الإستهلاك، والتهريب نشط أكثر للتهرّب من دفع مبالغ متعاظمة في وقت لا قدرة للقطاعات على دفعها. وعلى رغم ارتفاع الإيرادات لكنّ قيمتها بقيت قليلة لأنه لم يتم ضبط إنهيار الليرة الذي يسبق بسرعته التدابير الإرتجالية المتخذة من قبل الدولة.

ثانيًا في تداعيات القرار على القطاع الخاص، يصفها الإقتصاديون بأنها كبيرة وضارّة، وأن مفاعيلها الحقيقية لم تظهر بعد، ولكنها ستتجلّى تباعًا عندما يتسارع إقفال المؤسسات. فتعدُّد الأسعار بين سعر الدولار الجمركي والسعر الرسمي، خلق إرباكاً بين المستوردين والصناعيين الذين يدفعون الضريبة على القيمة المضافة على المواد الأولية المستوردة على 45 ألف ليرة فيما يستردونها على سعر 15 ألف ليرة. ويدفعون الجمارك على المواد الأولية على السعر العالي ما يرفع الكلفة التشغيلية من دون القدرة على رفع الأسعار بعد تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وهذا يكبدهم الخسائر وبالتالي الخروج من السوق.

من جهتها بادرت الهيئات الإقتصادية إلى إطلاق جرس الإنذار، مُعلنةً أن قرار استيفاء الرسوم الجمركية باحتساب الدولار على 45 ألفًا كان بـ»مثابة إطلاق رصاصة الرحمة على القطاع الاقتصادي الشرعي الذي ينازع من أجل البقاء، وإطلاق العنان للتهريب والتزوير». ويقول أمينها العام رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شمّاس، إن مَن يسحب أمواله من المصرف على سعر صرف 15 ألف ليرة للدولار الواحد، هو نفسه من يدفع الرسوم على سعر 45 ألفاً.

هذا الأمر تؤكده الدراسات التي جرت في هذا السياق وأشارت إلى أن رفع الدولار الجمركي الى 45 ألف ليرة يؤدي الى زيادة في أسعار السلع بنسب تراوح بين 5 الى 15 في المئة، خصوصاً السلع المصنّفة كماليات والتي تخضع لرسوم جمركية تفوق الـ15 في المئة، مثل السيارات والمفروشات والمشروبات والأدوات المنزلية وغيرها.

خارطة طريق للإنقاذ

من الواضح أن رفع سعر الدولار الجمركي، والمرجّح أن يستتبع بتسعيرة جديدة، سيقود إلى التالي:

لجوء العديد من التجار إلى الإستيراد غير الشرعي، مما يحرم الخزينة من مداخيل كانت مضمونة، ويُعرّض المستهلك إلى بعض المشاكل في بعض السلع، مثل فقدان قطع الغيار ومعوقات أخرى.

رفع الأسعار، ما يحد من الإستهلاك وبالتالي تكبيد القطاعات على اختلافها خسائر لا قدرة لها على احتمالها.

زيادة مقدّرة بنسبة 10 في المئة على المواد الغذائية غير المعفاة من الرسوم أو حتى التي تخضع لرسوم قليلة، مثل الأجبان المستوردة والسكاكر والحلويات التي تخضع لرسوم بنسبة 25 في المئة والذرة 35 في المئة بالإضافة الى الخضار والفواكه المعلّبة.

نشوء سوق موازية تستفيد منها قوى الأمر الواقع والخارجون على السلطة والقانون.

والسؤال الذي يُطروح: لماذا لا تبحث الحكومة عن مصادر تمويل أخرى مثل وقف التهريب وضبط الحدود البرية ومكافحة التهرّب الضريبي بدل الضغط على القطاعات المنتجة؟

في هذا السياق، يرجّح خبراء أن تصل نسبة إقفال المؤسسات إلى 18 في المئة في النصف الأول من العام الحالي. هذا لا يعني أن السبب الوحيد للإقفال هو رفع الدولار الجمركي، بل إن الأسباب عديدة ومعروفة للجميع. لكن ما تجدر الإشارة إليه أنه لم يكن من الحكمة تحميل القطاعات فوق طاقتها خصوصًا أن القرار لم يرفد خزينة الدولة بما يُغني عن جوع، وضاعت مفاعيله في غياهب التفلّت الإقتصادي والإنهيار النقدي.

من هنا يشدد الإقتصاديون على ضرورة معالجة الأزمة بكلّيتها ومن علًة عللها وهي التخبّط السياسي وغياب الدولة. ويلفتون إلى أن قيام دولة فعلية عبر انتخاب رئيس إصلاحي في أسرع وقت وتشكيل حكومة فاعلة تبادر فورًا إلى تنفيذ الإصلاحات ومنع التهريب الذي يفوّت على الخزينة رسومًا جمركية بقيمة 340 مليون دولار، وضبط الجباية ورفع إنتاجية الإدارات وتحسين الخدمات، وكلها قد تؤمّن سنويًا حوالى الـ5 مليارات دولار. وهذا يرفد الخزينة بأضعاف وأضعاف ما تتوقع تأمينه عبر رفع الدولار الجمركي. أما من دون ذلك فسنبقى نسجّل الأرقام من سيئ إلى أسوأ.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com​​​​​​​​​​​​

Exit mobile version