
كتبت “المسيرة” – العدد 1739
“هو” المعلّم الذي عبَرَ عيده هذه السنة بصمت، بحرقة، بموجة غضب لن تطفئها إلاّ إعادة الاعتبار لحقوقه الضائعة في ملفات فساد وسرقة المسؤولين.
يحصل كل ذلك و”معلِّم” الأجيال لا يزال صامدًا أمام اللوح الأسود، ويتأمل في خربشات زملاء كثر هاجروا وطافوا في أصقاع الأرض بحثاً عن لقمة عيش كريمة.
يحصل ذلك وعيد المعلّم الذي يترنَّح في الذكرى على مؤسس هذا العيد الأستاذ غصن غصن ولا يعلَم ذلك لأن قلَّة من “الأوفياء” مَحَت إسمه وسيرته، والأهم أنها دفنت معه قصة مؤسس عيد المعلّم في التاسع من كل آذار وصاحب فكرة تكريمهم.
عام 1961 انبثقت فكرة “عيد المعلّم” من مدرسة صربا الرسمية. يومها كان الأستاذ غصن خيرالله غصن ابن بلدة عجلتون يتولّى إدارتها، فاقترح المشرف على مجموعة من الأخوة التابعين للرهبنة اللبنانية المارونية ـ الكسليك الأب بولس مرهج على الأساتذة خلق فكرة لتكريم مديرها الأستاذ غصن على سعيه الدؤوب. وانطلاقاً من إسميه “غصن غصن”، اقترح أحد أفراد الجسم التعليمي في المدرسة أنطوان لحود أن يكون يوم عيد الشعانين، أي عيد الأغصان. وما أن تسرّب الخبر ووصل الى مسامع المكرَّم الأستاذ غصن حتى علا صوته معترضًا على إقامة حفلة لتكريمه شخصيًا تحت أي عنوان أو مسمّى. واقترح آنذاك أن يُطلق على هذا اليوم إسم عيد المعلّم تيمناً بالسيد المسيح معلّم البشرية الأكبر. ولاقت الفكرة الاستحسان والقبول، وراحت مدرسة صربا الرسمية تحتفل بهذا العيد كل سنة نهار سبت أليعازر الواقع قبل أحد الشعانين.
مع اتساع نطاق الاحتفال بالعيد، اقترح أساتذة المدارس الرسمية في قضاء كسروان رفع عريضة الى مدير عام وزارة التربية، وأيّدها كل من رجال الدين وبعض موظفي القطاع التربوي. وطالب الأساتذة في العريضة التي رفعوها تثبيت عيد المعلّم واعتباره عيدا رسميًا في الدولة اللبنانية.
وبعد عامين، جاءت الموافقة على العريضة وتم تحديد يوم 9 آذار عيدًا رسميًا للمعلّم في الجمهورية اللبنانية تعطِّل فيه كافة المدارس والجامعات. وبذلك يكون أول عيد للمعلّم في 9 آذار 1963، وتم تعميم المذكرة على كافة المدارس.
يقول نجل المعلِّم والمربِّي غصن، المحامي شارل إن والده كان حريصًا على مدرسته وكانت بمثابة “بيته العائلي”. وكان يحرص على تأمين كافة المستلزمات والقرطاسية، وفي أغلبية الأحيان كان يسدّد ثمنها من جيبه الخاص. همّه الوحيد تأمين راحة الأساتذة واستمراريتهم لتأدية الرسالة المؤتمنين عليها.
ويضيف المحامي شارل: “حتى التلامذة كانوا من ضمن اهتماماته وهمومه اليومية، وقد عمل جاهدًا على أن يكونوا من خيرة الطلاب. كما كان يسعى الى تخصيص ساعات لتدريس الطلاب الذين يعانون تقصيرًا في مواد معيّنة، فكانوا يحصدون النتائج بعلامات متفوّقة”.
ويختم مؤكدًا أن مسيرة والده التعليمية لا يزال يتذكرها قضاة ودكاترة ورجالات كبار. فهو من جعل من مدرسة صربا الرسمية صرحًا تعليميًا راقيًا ينافس أرقى المدارس والمعاهد التربوية الخاصة.
وصولاً الى واقع الأستاذ اليوم، يقول المحامي غصن: “وضع الأستاذ مأساوي، وحتى اللحظة لم تنجح الدولة في إيجاد حلول لأوضاع المعلّمين في القطاعين الرسمي والخاص، وهذا مؤسف حقاً، خصوصًا أن أعدادًا كبيرة هاجرت الى الخارج والباقي في انتظار فرصة مغادرة لبنان لإكمال رسالته وتأمين لقمة عيش كريمة لأولاده”.
واليوم، وبعد مرور أعوام طويلة على رحيله، لا يزال الذين تتلمذوا على يده يتذكرونه. وكلما أسمع كلماتهم عن والدي غصن غصن “بيكبر قلبي قد الدني”.
المعلِّم ومؤسس العيد غصن غصن… من هو؟
وُلد الأستاذ غصن خيرالله غصن عام 1930 في عجلتون، البلدة الكسروانية التي أعطت الكثير من الأعلام في كافة المجالات. ونال إجازة في الحقوق من جامعة القديس يوسف في بيروت، ليتم تعيينه بعدها مديرًا لمدرسة صربا الرسمية، وكان لا يزال في مطلع العشرينات من عمره. وانطلق في مسيرة تربوية حافلة كان لها الأثر الكبير في تلامذته الذين يتذكرونه حتى اليوم.
كان الأستاذ غصن من المدافعين عن المعلّم ومصالحه، وحريصًا بالحفاظ على هيبة المعلّمين واحترامهم، مما دفعه الى رفع شعار “نفِّذ ثم اعترض” في مدرسة صربا، للدلالة على أهمية احترام المعلّم وتنفيذ إرشاداته وتعليماته.
إستقامة الأستاذ غصن واحترافيتة جعلتا من مدرسة صربا الرسمية، التي كان يدرِّس فيها، ذات مستوى تعليمي عالٍ، فكان التلميذ الراسب فيها، ناجحًا في مدارس رسمية أخرى أو خاصة، كما جعل منها نقطة استقطاب لجميع طلاب قضاء كسروان، ووصل عدد طلابها آنذاك الى 2000 طالب من قرى ومناطق القضاء.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
