
تاريخ من تاريخ…
لأننا واجهنا ببسالة دفاعاً عن لبنان، ولأننا نصرّ على بناء الدولة وعلى ألا يتكرر الماضي، نسترجع من ذاكرة الزمن أحداثاً خبرناها، لتكون العبرة لمن اعتبر.
نعم، هي الذكرى للعبرة وليس استفزازاً، الذكرى للقاء عابر مع أبطال صنعوا مجد لبنان ويستحقون العودة إليهم عبر صفحات الوقت. الذكرى لتكريم من كانوا متراساً بأجسادهم ليموتوا هم، ويحيا لبنان.
من كتاب BURDEN OF TRUST – “عبء الثقة” بالانكليزية – (بتصرّف)
في العام 1981، قررت قوات الاحتلال السوري الإطباق على زحلة، بحكم موقعها الاستراتيجي، لإخضاعها بالقوة. رفض الأهالي هذا الخضوع، وقررت المقاومة اللبنانية على الرغم من عدم تكافئ الامكانات البشرية والعسكرية التصدي، فكانت إرادة البقاء أقوى من كل شيء آخر.
بعد مناوشات بدأت في 30 آذار من العام 1981، انهمر قصف الاحتلال العنيف في 2 نيسان، على كامل المدينة، ما أسفر عن سقوط الكثير من الضحايا المدنيين وتدمير الممتلكات. حُوّلت زحلة الى أرض محروقة، ما دفع بـ”القوات اللبنانية” الى مواجهات عنيفة مع الوحدات السورية الخاصة، مكبّدين إياها خسائر بشرية وماديّة.
جُن جنون رئيس النظام السوري حافظ الأسد، فحشد قوات إضافية لاحتلال المدينة، محوّلاً العملية العسكرية الى معركة كرامة لجيشه، إذ كيف يعقل أن تتصدى مجموعة صغيرة من “القوات اللبنانية” لجيش مُعدّ لمحاربة اسرائيل.
أقفلت كل المداخل المؤدية الى المدينة، ولم يبقَ سوى طريق جرد عيون السيمان في مرتفعات لبنان الغربية، التي أرسل الشيخ بشير عبر طرقاتها الوعرة المكللة بالثلوج وسط تدنيّ درجات الحرارة، مجموعات من القوى المركزية، لمؤازرة المدينة.
في ذلك الوقت، توالت البرقيات الى المجلس الحربي، التي تحدثت عن العمليات الحربية الشرسة حول زحلة وكيفية إمداد المدينة بالرجال، فطلب الشيخ بشير من قائد جبهة الشمال آنذاك الدكتور سمير جعجع، التوجه الى زحلة، على رأس قوة مقاتلة، عبر الطريق الوحيد الى المدينة في عيون السيمان. قرر الحكيم الاستعانة بمقاومي منطقة جبيل التي كانت في الاحتياط حينها، كي لا يتم إفراغ جبهة الشمال، فجُهّز مئتا مقاتل للصعود مع جعجع الى زحلة.
عند الساعة العاشرة من صباح الرابع من نيسان، اجتمعت القوة المقاتلة الجبيلية، وكان على رأس مجموعة قسم عمشيت الضابط في سلاح الهندسة، الشهيد طوني ابي رميا، (الذي استشهد لاحقاً)، فيما كنت انا (بيار جبور) آمر حضيرة آنذاك.
انطلقنا بباصات نحو جعيتا، وهناك تزودنا بالأسلحة والعتاد، ثم توجهنا نحو عيون السيمان سالكين طريق جعيتا – عشقوت – فاريا – عيون السيمان حيث مركز التزلج. تجمّعنا في باحة المركز وأعطانا الدكتور جعجع التوجيهات اللازمة للمهمة، مؤكداً أن ما نقوم به في هذه اللحظة المصيرية، سيُسجل لنا في تاريخ المقاومة اللبنانية. بعد الصلاة بدأت رحلة المخاطرة الكبرى. صعدنا باتجاه الشير الأحمر قرابة الرابعة فجراً، وانطلقنا. كان الثلج مُجمداً يسهل المشي فوقه وإن بصعوبة، لأن خط السير كن صعوداً، فكنت أسمع لهاث الرفاق. في الاثناء، كان سلاح التزلج ينقل بعض الرفاق الجرحى على الرتراك نزولاً، لتأخذهم سيارات الاسعاف الى المستشفيات.
وصلنا الى مشارف الشير الأحمر وكان الصباح قد حلّ. بان علينا سهل البقاع حيث جيش الاحتلال السوري، فانهمر القصف على المجموعة في أعلى الشير الأحمر، بينما سلكت وآخرين نصف المنحدر وأكملنا طريقنا نزولاً بسرعة البرق، وسط غزارة القذائف.
انقسمت المجموعة الى إثنين، القسم الاكبر نزل على الشير والآخرون عجزوا عن إكمال الطريق لشدة القصف فعادوا الى نقطة الانطلاق. وصلت الى المقلب الثاني في قعر الوادي وكنت أرى رفاقي المقاومين يتعرضون للقصف. أكملت المجموعة المُقاتلة بقيادة الحكيم المهمة ووصلت الى وادي العرايش عبر طريق زراعي، حيث انتظرنا هناك بعض قادة الوحدات المقاتلة، ليتم اصطحابنا بعد ذلك الى مدرسة وادي العرايش للاستراحة وتوزيع المهام. كانت النسوة تخبز على الصاج وتقدّم لنا الطعام، وما كان أشهاه.
ذهب الحكيم الى غرفة عمليات زحلة حيث كانت تدار المعركة لنتفاجأ عند عودته بأننا سنعود أدراجنا بعد توافر معلومات بأن السوريين سيقومون بإنزال مجوقل في جرود العاقورة وعيون السيمان وتحريك جبهة الشمال.
جهّزنا أنفسنا للمغادرة عبر طريق بين الوديان والتلال حتى لا يرانا السوريون، لكن المجموعة كانت منهكة والطريق صعبة. عندما أتذكر تلك اللحظة، أشعر بما يسمى “تعب حتى الموت”، وهذا ما كتبته لاحقاً في مذكراتي. سرنا لحوالي 12 ساعة متواصلة، ووصلنا الى عيون السيمان مركز الانطلاق حيث كانت بانتظارنا الباصات وسيارات الصليب الأحمر التي اسعفت البعض ممن تشققت أرجلهم جراء المشي المضني في الثلوج. وصلنا الى جبيل ثم الى عمشيت، فعرجت على منزلنا الذي امتلأ بالمطمئنين، بعد الأخبار التي سبقتنا بأننا استشهدنا في زحلة جميعاً.
…لاحقاً، في 10 نيسان، قام السوريون بإنزال على تلال زحلة وعيون السيمان وقطعوا الشريان الأساسي الذي يمد زحلة بالمقاتلين والذخيرة.