#adsense

وإذا أَتَتكَ مَذَمَّتي

حجم الخط

لن أستعيرَ هذا الشِّعرَ من “المتنبّي” لأَمدَحَ حكمتَهُ، وهو المُقَدَّرُ بوجهٍ أفضلَ مِمّا آتيهِ، لأفكارِهِ النّافذة. لكنّ هذا “البيت” أبانَتهُ، لي، ذاكرتي، لأتفحَّصَ، بطريقةٍ نقديّة، ما صدرَ عن بعضِهم، من اتّهاماتٍ طاولَت مقاماتٍ شكَّلَت نقطةً مركزيّةً في تَحَدّي المؤامرةِ التي أُعِدَّت، بالتَّوافقِ بين الخارجِ الغادِرِ وبعضِ الدّاخلِ المُتراخي الوطنيّة، لنَسفِ هويّةِ الوطن، وإطاحةِ كيانِه.

لم يُحجِمْ هذا البعضُ عن استعمالِ كلماتٍ نابيةٍ، يُطلقُها، مجّاناً، علَّها تَقوى على تفريغِ جهلٍ، وعمالةٍ، هي مقياسُ القزميّةِ الوطنيّةِ، والعقليةِ، والأخلاقيّة… وهي بعيدةٌ عن قوامِ استقامةِ النّفسِ والكلام، ونقاوةِ التّعاطي بين بَني آدم. لقد سعَت مداخلةُ هذا البعضِ العقيمةُ القيمةِ، بكلِّ جهدِها، الى النَّيلِ من المُتَسامينَ في النّضالِ الوطنيّ، وفي تدنيسِ الوطنِ وأهلِه، وذلك بانحرافٍ جارحٍ، وبترويجٍ لأَكاذيبَ تشكّلُ العنصرَ الوحيدَ المُكَوِّنَ للمداخلةِ ” البريئة”. وإذا كان يتوقَّعُ هذا البعضُ أن يصدِّقَه النّاس، فكأنّهُ لا يَعلمُ بأنّ حَبلَ الكذبِ قصير، وبأنّ هناكَ معياراً موضوعيّاً لتمييزِ الصّحيحِ من السَّقيم، والحقِّ من الباطل، وهذا المعيارُ لا يخفى على أصحابِ الحِجى.

واضحٌ، تماماً، أنّ هذا البعضَ دُميةٌ يُبَلوَرُ سلوكُها، ولسانُها، ضمنَ سياقِ مكوّناتٍ تُشَغِّلُها، وتحرّكُها، وتقضي على سلطانِ إرادتِها الواعيةِ التي باتَت موهومةً وخائبة، لتُصبحَ مخلوقاً آلِيّاً، مُشَوَّهَ البناءِ الفَهميّ، أو صَنَماً مُقتَرِناً بأَصلٍ مُغرِضٍ يتسلَّلُ إليهِ ويُحفّزُه على الافتراءات. أمّا بُعدِيّةُ هذا التوجُّهِ فهو إنجازُ تشويهٍ لصورةِ الأنقياء، وللوطن، بالتَّلفيقاتِ والمَزاعمِ والإختلاقات، إذ أنّ الارتكاز على بَرهَنَةِ ما يُلَفَّقُ عَصِيّ.

النّزاعات بين الناس، والأطرافِ، والأحزاب، قائمةٌ في مجالاتٍ لا تُحصى، ولا سيّما في السياسة، وتحديداً، في نظامٍ تَعَدُّديٍ مُرَكَّبٍ، أثبتَتِ الوقائعُ، وعلى مدى عقود، أنّ حالَ مُتعاطيهِ تنفصلُ أكثرَ ممّا تتّصل، وتتفاعلُ سلباً، أكثرَ من تفاعلِها بشكلٍ مُثمِرٍ يُنتِجُ صياغةً تنطوي على قدرٍ من التّضامنِ والتّوازنِ والاعتراف المُتبادَل. فالشَّراكةُ، عندَنا، وَهمٌ، والهويّةُ معسكرات، والمساهمةُ في إدارةِ الشأنِ العموميِّ حِبرٌ على ورق… والوطنُ مشاريعٌ يتشكّلُ بعضُها في الخارج، وكلُّها يَجحَدُ الكيانيّةَ الوطنية، أمّا ما يُبنى مع السياديّين فيلتزمُ الهويةَ الصافية، والمواطنةَ النقيّة، ونهائيةَ الكيانِ. من هنا، ينقسمُ المُختَلِفون بينَ مَنْ يؤمنون بِ ” دِينِ” لبنان، وبينَ مَنْ لا يؤمنونَ بأيِّ ” دِين “، تجتاحُهم أصوليّةٌ تمسُّ حضورَ الوطنِ الحضاريَّ، وتزجُّ به في مأزقٍ يُطَبِّعُهُ مع الرجعيّةِ والانحطاط.

الديمقراطيّة فضيلة، والتَعَوُّدَ على طُرُقِها بالممارسةِ غِذاءٌ لكرامةِ الحريّة، لكنّ ما يجري، هو نقيضٌ لِما أَرسَتِ الديمقراطيةُ من مبادئَ، وأُسُسٍ تسعى لتأمينِ رفاهيّةِ المواطنِ، بتأمينِ حقوقِهِ. وقد شَقَّتِ العلاقةُ الصِّراعيّةُ بين الأطرافِ، في التَّعاطي السياسيِّ والوطنيّ، طريقَها الى التَّعقيد، بينَ إيديولوجيَّتَينِ تنظرانِ الى الحياةِ، والتاريخِ، والمستقبل، والنّظام، من مِنظارِينِ متناقِضَين لا يلتقيان. فحُرّاسُ الديمقراطيّةِ يحترمونَ حريّةَ الفكرِ، والرأيِ، والتَّعبيرِ، والاختيار، والتنعُّمِ بالعدالة… أمّا طقوسُ المُنتَمينَ الى ديكتاتوريّةٍ بائدة، فتُتَرجَمُ بقَمعٍ، وترهيبٍ، وتخريبٍ لنظامِ العَيش، وعُنفٍ غيرِ مقبول، ضمنَ فضاءاتِ القهرِ، والهيمنةِ بفائضِ القوة، واستثمارِ مقدّراتٍ غير مشروعةٍ لبَسطِ وصايةٍ غريبةٍ لا تَتلاءمُ مع طبيعةِ الوطن.

لو كانتِ المناظراتُ العقلانيّةُ الموضوعيّةُ هي السّائدةَ بين المُختلِفين، كما في البلدانِ الرّاقية، والمجتمعاتِ المتحضِّرة، بديلاً من الفَرضِ، والتَعَنُّتِ، والافتراء، لَكُنّا توكَّلنا، في هذا الإطار، على الوعيِ الوطنيِّ في التَّخاطبِ الذي يخضعُ لمبادئَ عقليةٍ حرّة، ولاحترامِ الآخَر، وإِنْ بطَرحَينِ مختلِفَين. لكنّ المهاتراتِ التي ينطلقُ منها فريقُ الفَرضِ والسيطرة، تكسرُ، وبطريقةٍ عوجاءَ، تلفيقيّةٍ، سياجاتِ الرقيِّ الأخلاقيِّ في التَّعاطي الوطنيّ، ليكون توجُّهُها الشَّتمَ، والكذبَ، ورَميَ الغيرِ باتّهاماتٍ واهيةٍ، وأباطيلَ بعيدةٍ عن الحقيقة.

تَضَخّم دَورِ الشتّامينَ هو تأكيدٌ على استمرارِ فشلِ مَنْ يُؤَسطِرون ذواتِهم، في إقناعِ النّاسِ، زوراً، بِما يَنوون. وبِقَدرِ ما تتمادى المذمَّةُ بدلاً من المنطق، بِقَدرِ ما تسطعُ الحقيقةُ بأنّ نعمةَ لبنانَ بالحقِّ لا تُحَدّ.

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل