
لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، يستذكر موقع “القوات اللبنانية” حكايات ستبقى خالدة في وجدان القضية، كتحية وفاء لنبقى ويبقى الوطن.
يومان يجتمع فيهما أهالي بشري “الكتف على الكتف” كما يقولون. اليوم الأول إذا هبّ خطر على البلدة، والويل عندها للأعادي، واليوم الثاني في الجمعة العظيمة، إذ يلتقي الكلّ في الكنائس لحضور رتبة دفن المسيح.
مساء خميس الأسرار وعلى عجل، حملنا حقائبنا وأسرعنا باتجاه السيارة… وانطلقنا. كان الصمت الكبير يرافقنا. دقائق مرت، أحسست بعدها بثقل في صدري، نظرت الى خطيبي طوني، وانتابني شعور رهيب، كأنني أرى هذا الوجه الجميل للمرة الأخيرة… وجه حبيبي.
حاولت كسر الصمت بأن مددت يدي إلى راديو السيارة، فإذا بصوت وديع الصافي يصدح، “سيجنا لبنان وعلّينا سياجو”….
“أحبّ هذه الأغنية”. هذا ما قالته شقيقتي الجالسة في المقعد الخلفي… وبدأ التشويش يسيطر على الراديو، فيما صوت وديع الصافي راح يختفي. بدأنا نسمع صوت رصاص قادم من البعيد.
وصلنا إلى الدكوانة، وكانت هذه المنطقة امتداداً لمخيم تل الزعتر وامتداداً للمشاكل و”الزعرنات” التي كان يقوم بها عناصر من المنظمات الفلسطينية آنذاك. ما إن وصولنا إلى المستديرة حتى صرخت شقيقتي “آخ”… وقبل أن أكمل التفاتتي إليها، كانت الرصاصة التي خرجت من رقبة أختي تدخل رأسي من ناحية الأذن اليسرى.
شعرت بالبرودة والضياع، وبصوت طوني الذي يصرخ بخوف “يا عدرا دخيلك”… ولم أعد أشعر بشيء.
يدي بيد شقيقتي، نور قوي يلفنا، وباب كبير يفتح، ووجه الله يبتسم.
يوم الجمعة العظيمة همس يسوع المصلوب في كنيسة مار سابا بأذن الأهالي في بشري بأن يكونوا جاهزين لاستقبال أول شهيدتين لقضية، أصبحت بحجم الوطن: ريتا ورامونا فؤاد سليمان رحمة.
1973 ـ الدكوانة ـ بيروت.