
لم تكن حرب لبنان التي امتدت من 13 نيسان من العام 1975 حتى 13 تشرين الأول من العام 1990 منفصلة بالمكان والزمان عن أحداث وظروف ومقدمات حضّرت لها وأدّت اليها. فقد اختلطت العوامل الاقتصادية الطبقية بالأمنية مع السيادية، كما التقت المشاكل الداخلية اللبنانية مع الخارجية من إقليمية ودولية، وتداخلت الإصلاحات مع الصلاحيات فاختلط واشتبك الطائفي الإسلامي ـ الشيعي والسنّي والدرزي ـ باليساري الاشتراكي والعلماني مع الأممي الشيوعي واليميني المسيحي، وتبدّلت العداوات والتحالفات، وتنوّعت الاحتلالات واختلفت النظرة لها… وغالباً ما تحوّلت الضحيّة الى جلاد والعكس صحيح.
فـ13 نيسان من العام 1975 لم تكن الّا شرارة وصاعق تفجير لعبّوةِ ضخمة جَهّزتها العوامل والأسباب الآنفة الذكر من النكبة في العام 1948، مروراً باتفاق القاهرة في العام 1969 وصولاً الى أحداث الأردن في العام 1970، وبعدها اتفاق ملكارت في العام 1973 والدخول السوري “لمنع تصفية القضية الفلسطينية” في العام 1976.
بعد حادثة بوسطة عين الرمانة قامت المنظمات الفلسطينية وحلفاؤها بحملة عسكرية وإعلامية وسياسية على حزب “الكتائب” اللبنانية وعلى حلفائه، مطالبين بعزل “الكتائب” ومحاكمة قادته والمنتسبين اليه، ليتبيّن بعد فترة أن الموضوع ليس عين الرمانة، بل قلوب “مليانة” استغلت الحادثة “المفتعلة” للوصول الى هدفها الحقيقي: الوطن البديل للفلسطينيين والدولة البديلة لبعض اللبنانيين الذين أرادوا انتقال الصلاحيات وتعزيز الأدوار.
خير مثال على حَرْفِ أهداف القيّمين على القضية الفلسطينية وانحراف طريقهم، هو في ما أدلى به الرجل الثاني بعد ياسر عرفات صلاح خلف المعروف بـ”أبو أياد” في مهرجان خطابي أقيم في جامعة بيروت العربية في 23 أيار من العام 1976، “إن شهداء الثورة الفلسطينية الذين سقطوا في عيون السيمان وعينطورة وصنين، إنما سقطوا لأن طريق فلسطين لا يمكن أن تمر الا بعيون السيمان وجونية”. كذلك، قال ياسر عرفات بعد خروجه من لبنان بعشرات السنين، “سأحكم قطاع غزة والضفة الغربية كما حكمت لبنان”.
لا بد من التنويه لأخذ العبر أن المنظمات الفلسطينية تحوّلت لاحقاً في لبنان، الى أجنحة متصارعة متقاتلة بعضها ببعض ومع كل اللبنانيين وبعضها مع الجيش السوري وجماعاته في لبنان، ليسقط من الفلسطينيين في تلك الصراعات “شهداء”، لم يسقط أي منهم دفاعاً عن فلسطين أو تحريراً لقدسها.
برأ أبو أياد بعد ثلاث سنوات، حزب “الكتائب” من حادثة عين الرمانة – “الشرارة”، في تصريح له بتاريخ 28 نيسان من العام 1978، في كتابه “فلسطيني بلا هوية”، “ان الكتائب لم تكن مسؤولة عن الحادث”(بوسطة عين الرمانة).
وإنصافاً لأحزاب الجبهة اللبنانية الذين واجهوا الوطن البديل، نقرأ في اعلان فلسطين في لبنان (وثيقة اعتذار من الشعب اللبناني)، ما أذاعه ممثل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان عباس ذكي في 7 كانون الثاني 2008، “من الإنصاف القول إن التورُّط الفلسطيني في لبنان، على نحو ما شهدنا، وبخاصة أثناء حروب 1975 ـ 1982، إنما كان في مجمله قسرياً بفعل ظروف داخلية وخارجية، أشبه ما تكون بالظروف القاهرة… لا نقول هذا تنصلاً، ولا من قبيل نسب ما جرى إلى المؤامرة، بل رفقاً بالضحيتين (لبنان والفلسطينيين)، وفتحاً لباب المراجعة، ومساعدةً لأنفسنا جميعاً على تنقية الذاكرة. وأياً كان الأمر، فإننا من جانبنا نبادر إلى الاعتذار عن أي ضرر ألحقناه بلبنان العزيز، بوعي أو من غير وعي. وهذا الاعتذار غير مشروط باعتذار مقابل”.
هنا تتماهى سيرة “الحزب” ومسيرته مع المنظمات الفلسطينية وتحاكيها في الدور والأداء… فـ”الحزب” هو “الثورة الاسلامية في لبنان” التي صُدّرت من إيران لـ “تحرير لبنان والأراضي المقدّسة في فلسطين”. كذلك حَرَف الحزب مساره منذ نشأته وانحرف عن القضية الأم وذلك في حروب جانبية مع “مقاومين” من حركة أمل، الى الحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي والحزب السوري القومي الاجتماعي وغيرهم، وذلك لاحتكار المقاومة الإسلامية العمل المسلّح، وطبعاً سقط للحزب في تلك المواجهات مئات لا بل آلاف “الشهداء”، سقطوا لا أثناء تحرير الجنوب ولا فلسطين ولا على طريق قدسها…
بعد خروج الإسرائيلي في 25 أيار من العام 2000، والسوري في 26 نيسان من العام 2005، بدأ الحزب بالعمل والكشف عن مشروعه الأساس ألا وهو “الدولة البديلة”… فأدخل البلد في أتون حرب بأجندة إيرانية في العام 2006. ثم دخل مجلس الوزراء بثلث معطل بقوة السلاح في 7 أيار من العام 2008، لتصبح بعدها طريق القدس تمرّ من سوريا واليمن والعراق والسعودية. في هذا قال أمين عام الحزب السيد حسن نصرالله في 11 تموز من العام 2015، “طريق القدس يمر في القلمون والزبداني وحمص وحلب ودرعا والحسكة”…
بعد غزوة عين الرمانة، مارس “الحزب” مع “القوات اللبنانية” نفس ممارسة المنظمات الفلسطينية قبل عشرات السنين في حادثة بوسطة عين الرمانة، مطالباً بعزلها وحلها ومهدداً بـ100 ألف مقاتل مجهزين لمحاربة “اللبنانيين” لا الإسرائيليين، ولا لتحرير القدس الشريف.
“يحكم الحزب لبنان” كما يكرّر المسؤولون الإيرانيون، تماماً كما “حكم عرفات لبنان”… والدولة البديلة التي كان يفرضها الحزب في مربعه الأمني في حارة حريك يحاول توسيعها لتشمل كل لبنان، من ضمن تدخله التعطيلي والتدميري والتقويضي للدولة السيدة الحرة المستقلة بمؤسساتها… تماماً كما وسّع عرفات “فتح لاند” من الفاكهاني الى كل لبنان، ليتدخل في الشاردة والواردة من رئاسة الجمهورية الى رئاسة الوزراء والنواب وغيرهم.
تحاكي ثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة” في البيانات الوزارية اتفاقيتي القاهرة و”ملكارت”، لتتماهى دولة “الحزب” البديلة مع الوطن البديل للفلسطينيين على حساب الدولة الحرة السيدة المستقلة.
يبقى المرتجى الملّح من الواقع الأليم أن يقوم “الحزب” بمحاكاة ضروريّة إنقاذيه أخيرة، وذلك مع” إعلان فلسطين في لبنان” في “إعلان إيران في لبنان” او “اعلان الحزب في لبنان”، معتذراً من اللبنانيين وفاتحاً “باب المراجعة” عما ارتكبه عن “وعي أو غير وعي”، وذلك قبل فوات الأوان بإمكان تكرار تجربة 13 نيسان.
.jpg)