
لا تشيخ القضية ولو كبر المناضلون. لا ترتخي البارودة ولو صار زمن المواجهة بالفكر والمنطق والمقارعة السياسية الحادة. لا تبرد همة المقاومين ولو بردت المتاريس والجبهات، يبقون في القضية مشاعل حق، مقاتلون حتى آخر الأنفاس، وفعلها رجا مرقدي. الرفيق المقاوم الذي لم يتخلَ يوماً عن سلاحه لأجل حب عمره، وبقي “المقاتل” حتى آخر الأنفاس.
ليس بالضرورة أن نحمل السلاح لنكون مقاومين أبطال، ثمة أسلحة أكثر فتكاً أحياناً، ثمة قتال هو الأشرس غالباً، قتال العقيدة في مواجهة عقائد دخيلة طارئة على نهج الوطن وفكره الأصيل وكيانه المعمّد بالدم والنار والبخور والقيامة مع المسيح.
يوم حمل رجا مرقدي البندقية، بعدما طلبت منه القيادة الالتحاق بجبهة الأسواق في بيروت، كان من بين الشباب الأوائل الذي تخلوا عن الجامعة والعمل والحياة الاجتماعية والعائلة ورخاء البقاء في البيت، وكل شيء، ليلتحقوا بنداء هو كالندّاهة، ساحر لا يقاوم، نداء الدفاع عن الأرض والشرف والكرامة، فوقف هناك تحت شمس المتراس وناره، تحت مطر الشتاء والقذائف، يدافع بالدم عن أرض الرب المنتهكة بكفار الاحتلال والعملاء، ولم تشأ بنادق هؤلاء الا أن تصيب رجا إصابة بليغة، فترك متراسه مرغماً وانضم الى مناضلين كثر في العمل الإداري في “القوات اللبنانية”، شارك في حرب الجبل وفي صد الاجتياحات كافة التي تعرض لها لبنان، وكاد لمرات ومرات أن يكون شهيداً لولا العناية الإلهية، ولم يتراجع، لا ايمانه بالقضية ولا اندفاعه للبقاء مشروع شهيد كرفاقه. استلم الشعبة الرابعة، ولما حصلت الانتفاضة الاولى، عاد الى عمله في “انديفكو”، وبقي على تواصل تام مع القيادة والمناضلين.
“شو بحكي عن رجا؟” سأل أحد الرفاق، “ابن الاشرفية الأصيل، ابن الوطن الأصيل، ابن القضية المتفاني حتى آخر الأنفاس. المقاوم الدائم بقي مع القوات وعاش معها لأجلها، وعلّم ولادو كيف بيكون التفاني لأجل بلادنا” يقول عنه بتأثر بالغ.
ابن الأشرفية الذي أحب البشير وآمن به وبنضاله، علم أن القضية لا تموت بموت القادة، لأن الزرع صالح، وأرض الوطن صارت صلاة إيمان في قلوب المقاومين الشجعان، وأن بشير سيترك خلفه أبطالا يشبهونه، ومن هنا كانت تربطه العلاقة الجيدة مع سمير جعجع، عرف أن الرجل مقاوم كبير وعلى أكتافه ستقع مسؤولية تحرير وطن بكامله، وعلم أكثر أن وحدهم المقاومين الأوفياء في “القوات اللبنانية” هم من سينقذون لبنان من جحيمه المتواصل حتى الساعة.
“شخص رائع، أخلاق عالية، مثقف مرح، متفاني بالتزامه القواتي”، يقول عنه رفيق آخر. وابن الاشرفية، الأب لشاب وصبية، أصبح منذ فترة “جدّو” لأول حفيد في العيلة، “صرت مجدوب متلك وآخدلي عقلي حفيدي”، قال لأحد رفاقه بعدما غمرته الفرحة وهو يحمل الصغير بين يديه.
“بوجو” وهو اسم الحركة الذي أطلق عليه أيام الحرب، حمل لقبه المحبب حتى آخر الأنفاس، مدير معمل “انديفكو”، سافر كثيراً لأجل عمله، لكنه لم يجد يوماً وطناً أجمل من موطن قلبه لبنان، لكن الوطن الصغير الكبير خذله في مواقع كثيرة، وكان يأسف لتضحيات الشباب، لكنه كان يعلم أنه ما بيصح الا الصحيح في النهاية وأن النصر لن يكون الا للحقيقة.
تعب المناضل في سنينه الأخيرة، تعب قلبه وكليتاه، تعب كبير أخذه الى الموت، لكن قبل آخر الأنفاس، بقي في “القوات” مناضلاً كبيراً، وبقي في عيون رفاقه رمزاً كبيراً للوفاء والانتماء المطلق للمقاومة اللبنانية، وبقي على إيمانه أن لبنان يبقى وكل ما عداه سيزول، وأن الرب لن يترك أرضه مهما بدا للبعض أنه فعل. يا ابن الأشرفية، الأبطال لا يرحلون ولو فعلوا.
