







كتبت نجاح بو منصف في “المسيرة” – العدد 1739
على وقع زلازل المنطقة، زلزال من نوع آخر «غير مسبوق» يضرب مصرف لبنان وحاكمه، فهل يسقط؟
ذاك «المركزي» العريق 60 عامًا صار عمره، وهي جدرانه تروي حكايات عن 5 «حكام» تعاقبوا وفعلوا المستحيل لصونه وصون أمانة كبيرة في أعناقهم، هي الليرة اللبنانية ما غيرها، في أحلك مراحل تاريخه وتاريخ لبنان، فكان لكل منهم بصماته الكبيرة، وإن متفاوتة، بتأريخ مسيرة طويلة حافلة بالإخفاقات وبالنجاحات، شاهِدة على الجمهورية في السِلم والحرب، في الإزدهار والإنهيار، راسمين لهندسات مالية منها ما أوصلنا الى فائض البحبوحة، ومنها ما قادنا الى الإفلاس… قبل أن يحصل الإنهيار الكبير.
نعم هي 60 عامًا تحكي.. الكثير من الحلو وأيضًا الكثير من المر، عن ذاك «المركزي»، وتطمئن هو كما لبناننا يهتز ولا يسقط.. والتاريخ يشهد…
ما كان للبنان قبل ستينات القرن الماضي مصرفاً مركزياً خاصاً، ولا كان له قبل الأربعينات ليرته اللبنانية، ولا كان له بريق تلك السبائك الذهبية المتراصة فوق رفوفه، هو سقوط الإمبراطورية العثمانية ما سمح له ببدء إرساء تاريخ نقدي فمصرفي انطلق عام 1919، عقب سيطرة الحلفاء على المنطقة، وقبل ذلك ما كان للبنانيين حتى عملة، كانوا يتداولون العملة «العثملية»، وبزوال ذاك الحكم، ما عاد هناك عملة في أيديهم. ولما كان الإنكليز في مصر، ولما كانت مصر الدولة العربية الوحيدة التي تملك عملة خاصة، إستقدم الإنكليز الجنيه المصري الى لبنان كعملة يتداولها ناسه الذين كانوا يسمّونها مصرية ومصريات، ومذاك اخترقت كلمة «مصاري» اللغة العامية اللبنانية، وكان ذلك لفترة قصيرة، لحين أصبح لبنان تحت وصاية الإنتداب الفرنسي، ومعها انتقلت طباعة العملة الى البنك الفرنسي ووفقاً لتصميم مختلف كلياً عما كانت عليه في زمن الإنكليز، فأسس الفرنسيون أول مصرف «البنك السوري» عام 1919، غيّبوا عنه إسم لبنان على رغم أن مركزه كان في عين المريسة، ومنح حق إصدار العملة الرسمية للبنان وسـوريا معاً لفترة معيّنة من 1919 حتى العام 1924، ليتم ربطها عضوياً بالفرنك الفرنسي.
عام 1920 كان إعلان دولة لبنان الكبير، ومع إنتهاء إمتياز البنك السوري في العام 1924، تغيّر إسمه وبات يعرف بـ»بنك سوريا ولبنان الكبير»، فعمد الى إصدار مجموعتين من الأوراق النقدية: الأولى تحمل عبارة «لبنان الكبير»، والثانية كلمة «سوريا»، واللافت أنه تم التداول بهاتين المجموعتين على الأراضي اللبنانية والسورية على حدّ سواء. وفي العام 1939، تغيّر الإسم مجدّدًا ليصبح «بنك سوريا ولبنان».
وأخيرا.. «الجمهورية اللبنانية»
تاريخ جميل سجله كانون الأول 1945، بصدور الورقة النقدية الأولى التي تحمل عبارة «الليرة اللبنانية»، وتوالى خلال الأربعينات، ظهور تلك القروش الورقية المنقوشة ولأول مرة بعبارة «الجمهورية اللبنانية»، مع الإشارة الى أن البنك المصدر كان «بنك سوريا ولبنان»، واستغرق الأمر حتى العام 1952، لحين صدور عملة لبنانية عرفت بـ»الشمعونية» نسبة الى الرئيس كميل شمعون، مختتمة آخر مجموعة صادرة عن بنك سوريا ولبنان، ومسجلة إنطلاق تاريخ نقدي ومصرفي جديد للبنان…
1963.. وكان مصرف لبنان
هي الخمسينات، وهو لبنان يشق طريقه نحو نهضة اقتصادية كبيرة، توّجت بإقرار قانون السرية المصرفية الذي جعل منه مركزاً مالياً بارزاً استحق معه بجدارة لقب «سويسرا الشرق». هذه المسيرة، ومع إنتهاء إمتياز «بنك سوريا ولبنان»، مهّدت السبيل لصدور قانون النقد والتسليف، وبه، في العام 1963، صار لبلدنا «مصرف لبنان المركزي».
في أول شارع الحمراء، ووسط حفاوة كبيرة، ارتفع مقر مصرف لبنان، ليدشنه رئيس الحكومة آنذاك الحاج حسين العويني يوم 31 آذار 1964 على عهد رئيس الجمهورية يومها اللواء فؤاد شهاب الذي تفقد أرجاء البنك قبل يومين من تدشينه، مفتتحاً بذلك عهداً مصرفياً جديداً للبنان اعتُبر رمزا لسيادة لبنان الاقتصادية والمالية، وفي نيسان ذاك العام، عيّن فيليب تقلا «حاكماً» مفتتحا بذلك أول حاكمية للمصرف المركزي، ليباشر من مقره الجديد في الحمرا عملياته ونشاطاته، بدءاً بتنظيم القطاع المصرفي وإصدار العملات بين أوراق وقطع معدنية يتصدّرها إسم الجمهورية اللبنانية، وصولاً الى إنشاء فروع جديدة له في مختلف المناطق اللبنانية.
فيليب تقلا .. بين الحاكمية والخارجية!
هو «وزير الديبلوماسية اللبنانية، بل مؤسسها الحقيقي» كما وصفه يوماً الراحل الكبير غسان تويني، نعم هو فيليب تقلا الذي دخل الوزارة والنيابة بعد وفاة شقيقه سليم تقلا، واضطر في ذاك العام الى مقاطعة عالمه الوزاري الديبلوماسي للتفرّغ لمنصب حاكمية مصرف للبنان.
لكن الوزير البارع في الديبلوماسية اللبنانية لم يظهر تأقلماً مع شخصيته المصرفية، ولم يتردد بالتصريح «ليس لديّ أية نيّة بأن آتي إلى مصرف لبنان» مفضلاً المداومة في مكتبه في الخارجية، تاركاً بذلك إدارة الشؤون اليومية في المصرف لنائبه جوزف أوغورليان ، «حاكم الظل» والشخصية الرئيسية الحقيقية في إدارة أعمال مصرف لبنان آنذاك.
خلال تولّي تقلا الحاكمية، أزمة كبيرة هزت القطاع المصرفي، هي أزمة بنك إنترا التي شكلت نقطة سوداء في تاريخ العمل المصرفي في لبنان، ودفعت تقلا للإستقالة من منصبه في 16 حزيران 1967، ليخلفه مدير عام رئاسة الجمهورية آنذاك الياس سركيس.
الياس سركيس.. الحاكم الذهبي
كان الياس سركيس محامياً وسيماً في مطلع عقده الرابع حين أصبح حاكم مصرف لبنان عام 1967. لم يكن الرجل خرّيج هارفرد، ولا سابق خبرة له في «ميريل لينش» الأميركية، ولا كان مهندساً مالياً بارعاً، كان شهابياً نظيف الكف تمكن بفطنته وحسن نيته من إتّخاذ أغرب قرار يمكن لحاكم بنك مركزي أن يتّخذه في تلك الحقبة، مدخلاً بلده الصغير إلى نادي الدول الذهبية جاعلاً منه ثاني أكثر دول العالم إمتلاكاً للمعدن الأصفر، نسبةً إلى عدد السكان، بعد سويسرا.
كان العالم يعيش حقبة الكفر بالذهب يومذاك، لكن سركيس بدا يسبح عكس ذاك التيار، مقتنعاً بأن الذهب وحده يحتفظ بقيمته، ووحده القادر على تخليص دولارات ذلك الزمان من أن يأكلها التضخّم والفساد. ووفق ما تكشفه الأرقام وما وصل إليه حال لبنان اليوم، ما كان للحظّ أن يحمل للبنان أفضل مما فعله سركيس، فمنذ وصوله الى الحاكمية، انطلق بمخطط شراء الذهب وتخزينه، مشترياً خمسة ملايين أونصة لحساب الخزانة ، فيما واصلت الحكومات اللبنانية المتعاقبة شراءه لتغذية إحتياطي «المركزي»، وذلك من فائض الموازنة والضرائب التي تأخذها من المواطنين. ليتوقف هذا المسار في أوائل السبعينات مع قرار الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون فك إرتباط الذهب بالدولار نتيجة الضغط المتزايد على شرائه من قبل الدول. وهو قرار معروف بـ»صدمة نيكسون» ، والذي فرض الدولار بديلاً إحتياطياً عن الذهب لحفظ قيمة كل العملات الأخرى حول العالم.
وهكذا تمكن سركيس من «تحصين» لبنان، بحسب أحدث بيانات «مجلس الذهب العالمي»، باحتياطي من الذهب يبلغ نحو 287 طناً أي حوالى 10 ملايين أونصة تبلغ قيمتها نحو 18 مليار دولار، ما يضع البلاد ضمن قائمة أكبر 20 دولة حول العالم، تحوز على إحتياطيات من المعدن الأصفر، وليتصدّر المرتبة الثانية عربياً بعد السعودية.
وإن كان إحتياطي الذهب العلامة الفارقة «المشعّة» خلال حاكميته، فرض ذاك «الصامت الكبير» نفسه مثالاً إدارياً ناجحاً، ليشهد عهده موجة مساهمات من مصارف أجنبية في بعض المصارف اللبنانية، كما شهد إستقرار عدد المصارف العاملة في البلاد بعد تنقية العمل المصرفي وتثبيت تقييد المؤسسات المصرفية بالنظم المهنية في ظل رقابة لجنة الرقابة على المصارف، ما ساهم في بروز بيروت تدريجياً كمركز مالي ومصرفي إقليمي واعد.
إنجازات جعلته لمرتين مرشحاً للرئاسة، عام 1972 في وجه الرئيس سليمان فرنجية الذي فاز عليه بصوت واحد، ومن ثم خلَفه عام 1976مع بداية الحرب، مسلّماً حاكمية مصرف لبنان لخلفه ميشال الخوري.
ميشال خوري.. وحاكميتان في عزّ الحرب
كان من حسن حظ الشيخ ميشال الخوري، المتحدّر من البيت السياسي العريق إبن أول رئيس للإستقلال الشيخ بشارة الخوري، في ولايته الأولى لحاكمية مصرف لبنان، الممتدة من عام 1978 ولغاية 1985، أنه تسلمها من سلفه الياس سركيس الذي حاول بكل إمكاناته وخبرته مواكبة التداعيات على القطاع المصرفي بصورة خاصة والاقتصاد الوطني بصورة عامة.
فبعد الإنتهاء من عمليات وضع اليد، والتصفية الذاتية، والإندماج بموجب القانون 28/76، أصبحت المصارف العاملة في لبنان وحدها مؤهلة للعمل المصرفي، وبات على كل راغب في دخول القطاع المصرفي من جديد أن يشتري أحد المصارف القائمة أو يساهم في جزء من رأسمالها.
وصنّفت المصارف ثلاث فئات: المصارف الأجنبية بما فيها العربية، المصارف اللبنانية التي يملك الأجانب معظم رساميلها، ومصارف لبنانية أخرى..
وبذلك، برزت بيروت كمركز مالي ومصرفي إقليمي، ما حمل العديد من المصارف الأجنبية على التمركز فيها عن طريق شراء بعض المصارف الصغيرة القائمة، أو عن طريق فتح مكاتب تمثيل إضافة الى التنوّع الكبير في جنسيات الداخلين حديثاً الى القطاع.
وعلى غرار أسلافه الثلاثة، ظلّ الخوري أميناً على بيت المال اللبناني، ليحافظ عليه مؤسسة خارج الأضواء وبمنأى عن الرهانات السياسية. لكن الحرب الأهلية سرعان ما أفسدت عليه حاكميته، ففترة الإنتعاش الاقتصادي والمصرفي التي عرفها لبنان في الستينات ولغاية منتصف السبعينات، سرعان ما اهتزت مع إندلاع الحرب اللبنانية، ما أقحم مصرف لبنان في الكثير من المواجهات وأدى تالياً الى تزعزع وضع القطاع المصرفي والنقدي.
الذهب.. الخط الأحمر
أخطر ما كان يتهدد المصرف المركزي آنذاك، هو أن الذهب الذي كان يمتلكه، صار هدفاً محتملاً للقوى المتقاتلة في ذلك الوقت، وقد روى أحد موظفي «المركزي» يوما أن «أكثر من مرة حاول المسلحون إحتلال المصرف، وهو ما أردنا تجنّبه تماماً. وعلمنا أنه إذا دخلت الميليشيات، فستقع كارثة، وستقفز الليرة، وسيسرقون العملات، وأنّ كل من سيستغل ذلك سيكسب قوة إستثنائية. يمكنك القول إنّه كان هناك خط أحمر، ليس على المصارف الخاصة بل على المصرف المركزي».
نعم صدقوا، لم يشمل النهب الذي طال مصارف وسط بيروت في مطلع عام 1976، خزائن مصرف لبنان في شارع الحمرا، وجاء ذلك كنتيجة لاتفاق ضمني و»توازن رعب» بين القوى، وفي المقابل كان الرعاة العرب والدوليون يسهرون على هذا الخط الأحمر، فيما التزم مصرف لبنان وحاكمه الصمت والغموض حيال الذهب، الذي أقسم بعض نواب الحاكم أنّه ليس في لبنان.
ولعل أقسى ما واجهه مصرف لبنان في ظل حاكمه الثالث، هو بدء مرحلة التدهور على كل المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية، بدءاً من الإجتياح الإسرائىلي عام 1982، وقد أدى هذا التردي الى تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية بشكل دراماتيكي من 5.49 ليرة للدولار الأميركي الى 455 ليرة مترافقاً مع تراجع كبير في ودائع المصارف وارتفاع نسبة الدولرة.
وما كانت الولاية الثانية لحاكمية ميشال الخوري التي تسلّمها من الحاكم الرابع إدمون نعيم في العام 1991 بأفضل، ليواجه أولا أزمة التعثر المصرفي عند توقف بنك المشرق عن الدفع عام 1989، وثانياً المضاربات ضد الليرة حيث وصل سعر الدولار الى 890 ليرة وتدنى الإحتياطي الى 588 مليون دولار.
إدمون نعيم .. حاكم وراء أكياس الرمل
إن ينسى لبنان وبنكه المركزي، فلن ينسى صورة ذاك القانوني الكبير، رئيس الجامعة اللبنانية، الذي نصّب عام 1985 حاكماً لمصرف لبنان، على أغلفة وسائل الإعلام الأجنبية جالساً وراء أكياس الرمل التي حصّن بها مكتبه، تؤرخ لتلك المرحلة القاسية من تاريخ «المركزي»، وقد عنونتها مجلة Investor Institutional في عددها الصادر في كانون الأول 1990 بـ The Banker in the Bunker، أو «المصرفي في الحصن».
فبعد مساومات طويلة أدّت إلى استحداث منصب نائب حاكم شيعي مخصص لحركة «أمل»، وفتح ثلاثة فروع «رمزية» جديدة للمصرف: في بكفيا، معقل رئيس الجمهورية آنذاك أمين الجميل، في عاليه، معقل الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط، وفي النبطية، معقل رئيس حركة «أمل» نبيه بري، عُيِّن إدمون نعيم حاكماً رابعاً لـ»المركزي».
واجه نعيم صعوبات كبيرة خلال فترة ولاية انطبعت بتضخّم مفرط حيث ارتفع الدولار من 6.5 ليرات عام 1984 إلى 500 ليرة عام 1987، ولكن أصعب ما واجه ولاية رجل القانون المتشدد ذاك، هو معركته مع الدولة اللبنانية في الحفاظ على إستقلالية «المركزي»، وتطبيق قانون النقد والتسليف.
فطوال فترة ولايته، وجد نعيم نفسه أمام تحدّي التوفيق المستحيل بين تلبية متطلبات دولة شارفت على الإفلاس وبين أحكام قانون النقد والتسليف التي تحظر، بصورة مطلقة تقريباً، تمويل عجز الدولة بواسطة الإقتراض من مصرف لبنان، فوقعت المشكلة، عندما أهملت الدولة وضع الخطط لزيادة مواردها، ووقْف الهدر والحدّ من الإنفاق، معتبرة مصرف لبنان بمثابة خزّان مالي لها، وعلى هذا، قرّر إدمون نعيم المواجهة، مستنداً إلى القانون ومتسلّحا بأحكامه ليعرقل أحياناً، ويرفض أحياناً أخرى، وليردّ على طلبات الحكومة بترداد ما نصّ عليه في هذا الشأن.
وتجلّى حرص نعيم على المال العام وتطبيق القانون أكثر فأكثر، إثر إنقسام السلطة التنفيذية في لبنان إلى حكومتين بين عامي 1988 و1990، حكومة الرئيس سليم الحص في بيروت، وحكومة العماد ميشال عون في بعبدا، فمنع إنقسام النقد ومصرف لبنان وأعطى كل ذي حق حقه. يقول عارفوه من أصدقاء ومصرفيين زامنوه أنه، في كل ذلك كان يقرأ في القانون، وخصوصاً قانون النقد والتسليف ويتمسّك بصلاحيات مصرف لبنان واستقلاليته، برغم تعرّضه لضغوط جمّة.
والى ذلك حارب نعيم، وحورب، على جبهات أخرى: مع وزارة المالية أيام الوزير كميل شمعون ومن خلفه الحكومة، ومع وزير الداخلية الياس الخازن الذي كان واجهة إعتداء السلطة عليه. كما وصفت علاقته بالمصارف بـ»غير الودية»، حيث واجه مضارباتها بالليرة اللبنانية وسعر الصرف تجاه الدولار مستعملة أموال المودعين. وبين كل هذه المعارك كان يفعل ما بوسع مصرف لبنان للمحافظة على سلامة النقد، إنطلاقاً من كونها أحد مهامه الأساسية.
وفي مواجهاته تلك، تقصد نعيم، خلافاً لسياسة سلفه ميشال الخوري المتحفظ والمتكتم، نشر صراعاته المتتالية مع الدولة ووزرائها في الصحف وكافة وسائل الإعلام، وبخطاب شعبي وبسيط، حاكى المواطنين العاديين من خلال إتاحة إمكانية شراء سندات خزينة لهم أو من خلال اللعب على وتر خطاب مناهض للبنوك مجاهراً بصراعاته الخاصة معها.
فذاك الحاكم الذي شارك في تأسيس الحزب التقدمي الإشتراكي إلى جانب صديقه كمال جنبلاط، ما كان ليخفي كرهه للسياسيين وأصحاب السلطة ورأس المال، لكن مجابهته لهم لم تخرج عن سقف القانون، ويشهد مستشار نعيم أيام حاكميته، رئيس مجلس إدارة طيران الشرق الأوسط حالياً محمد الحوت: «صحيح أنّه كان من مؤسسي الحزب وصديق كمال جنبلاط ولكنه لم يسعَ إلى تطبيق مبادئ إشتراكية، وهو يعرف أنّ لبنان مبني على الاقتصاد الحر».
ومع بروز الطموح الرئاسي لنعيم في أدائه وخطابه العام، كان سعيه واضحا لناحية إحياء الثقة الدولية بالعملة اللبنانية والتظاهر بأن الوضع طبيعي، مرددا ونواّبه أن «الوضع تحت السيطرة» ، ليقدم نفسه حاكماً متّزناً وعصرياً ليس لمصرف لبنان بل أيضاً للدولة، من خلال اعتماد سياسة تساير صندوق النقد الدولي في مسألة الدعم. وبذلك، نجح في تصوير مصرف لبنان على أنه مؤسسة نموذجية تصلح كشريك جاد وموثوق للمنظمات الدولية، وليقدم نفسه في ظل إنقسام السلطة التنفيذية بين حكومتي ميشال عون وسليم الحص وشغور رئاسة الجمهورية، ليس فقط «أفضل» ما في الدولة، لا بل معقلها الأخير.
تحجيم نعيم والإعتداء غير المسبوق
طبعا هذه «الصورة» النموذجية غير المسبوقة لحاكم المركزي استفزت السلطة الحاكمة كما قوى الأمر الواقع أمنياً وسياسياً، لتعمل متحدة، على تهديده وتحجيمه، رافضة الإعتراف باستقلالية المصرف المركزي وإن كفلها ذلك تعديل قانون النقد والتسليف.
هذا الواقع فضلاً عن هذا التدهور الأمني، أشعر نعيم بمخاطر تتهدّده فكان أول حاكم لمصرف لبنان يسكن في مكتبه في الطابق السادس لمبنى البنك المركزي، ولا يغادره لنحو خمس سنوات إلاّ في ما ندر. وما زالت صوره على أغلفة بعض وسائل الإعلام الأجنبية ووراءه أكياس الرمل التي حصّن بها مكتبه، تؤرخ لتلك المرحلة.
ومع ذلك ، حصل المحظور، وتم الإعتداء «غير المسبوق» على حاكم المركزي، ووفق ما روى نائب حاكم مصرف لبنان غسان عيّاش (1990-1993) في كتابه «وراء أسوار مصرف لبنان، نائب حاكم يتذكر»: «رفض حاكم مصرف لبنان الدكتور إدمون نعيم تحويل أموال طباعة جوازات السفر لصالح وزارة الداخلية خلال عهد الحكومتين عام 1990. كانت الكلفة مضخمة جداً، أجرى عندها نعيم مناقصة أخرى وبمواصفات أفضل فتبيّن أنّ الكلفة أقل بكثير مما هو مطلوب، فرفض تحويل المال».
الحاكم كان في إجتماع المجلس المركزي في مصرف لبنان (…) حين ورده إتصال من رئيس الجمهورية الياس الهراوي. خرج نعيم ليرد على الإتصال ليجد ضابطاً أمنياً موفداً من وزير الداخلية: «معالي وزير الداخلية عازمك ع فنجان قهوة». رد الدكتور نعيم رافضاً بذريعة عدم تمكّنه من الخروج من المصرف وقال «إذا في شي ضروري أهلا وسهلا فيه يتفضّل يشرب قهوة عندي». عندها، أطلق الضابط رصاصتين في الهواء وبدأ مع عناصره الذين فاق عددهم 15 عنصراً، بجرّ نعيم نحو المصعد، فقاوم بكل قوته ولم يتمكّنوا من إدخاله المصعد إلّا بعد تمزيق قميصه وإصابته ببعض الجروح وسحبه من قدميه فيما كان رأسه على الأرض.
وفي مدخل مصرف لبنان حيث كان عنصر الشرطة حسين البروش قد سبقهم إلى المكان بعدما رآهم يزجون الحاكم بالقوة في المصعد، سأله «شو يا حاكم؟»، فرد نعيم قائلاً: «ما تخلّيهم ياخدوني من هون يا حسين».
هنا إنتصر حسين البروش لواجبه في حماية مصرف لبنان (…) فكّر وأطلق النار على الواجهة الزجاجية السميكة للمصرف. أُربك الضابط وعناصره وبدأوا يتفقدون أنفسهم من الجروح. هنا استغل الحاكم إنشغال خاطفيه وأسرع ليدخل خزنة مصرف لبنان حيث لا يمكن لأحد أن يدخل طابقها عندما يقفل الباب، ونجا.».
هكذا انتهت حكاية إدمون نعيم مع حاكمية مصرف لبنان، اتحد السياسيون بمختلف إتجاهاتهم لإرغامه على تمويل الخزينة، فيما كان نعيم يجمع حقائبه إستعدادا للرحيل مع إنتهاء ولايته، ورحل شريفاً نظيفاً، لم يقم الحفلات الباذخة ولم يترك القصور والأموال بعد وفاته، كل ما تركه مكتبة قانونية ضخمة أورثها للجامعة اللبنانية، ليتسلّم، وللمرة الثانية، الحاكم الثالث ميشال الخوري الولاية لسنتين، قبل أن يسلّمها بدوره وبعد سنتين لحاكم مصرف لبنان الحالي رياض سلامة، ولتبدأ معه الحكاية الأكثر إثارة وجدلية لحاكم المركزي.
الليرة بحكم الإنهيار
هي ثلاث عقود من «حُكْم» لبنان مالياً، من الحرب الى السلم وما بينهما من معارك وخضات وأزمات ، ولا زال رياض في «المركزي» مرافقاً 4 رؤساء جمهورية و7 رؤساء حكومة، وهو ليس الأطول مدة لحاكم مصرف مركزي فحسب، فمنذ تعيينه حاكماً عام 1993 والى حين إنتهاء ولايته في تموز 2023، يُعتبر الرجل البالغ من العمر 72 عاماً، صاحب أطول ولاية بين حكام المصارف المركزية في العالم أجمع، ليوازي عمره في حاكمية المصرف نصف عمر المصرف نفسه منذ إنشائه، شاهِداً على الجمهورية في السِلم والحرب، في الإزدهار والإنهيار المالي، ومسؤولاً عن هندسات مالية أوصلت المصارف الى فائض في البحبوحة، واللبنانيين الى الإفلاس، والليرة الى الإنهيار.
خلافاً للعرف الذي كان سائداً، لم يأت سلامة، الماروني، عبر رئيس الجمهورية الياس الهراوي، كما يُفترض بالرئيس المنتخَب بعد اتفاق الطائف، بل اختاره رئيس الحكومة آنذاك، رفيق الحريري، المنكبّ على رسم خرائط إعمار بيروت وخطة اقتصادية كان يحتاج فيها الى أكفاء في المناصب الإدارية المالية، فجاء بسلامة من «ميريل لينش»، حاكماً جديداً لـ «المركزي».
في بداية حاكميته، كانت «هالة» سلامة مضبوطة الإيقاع، كان حضور الحريري طاغياً على كل ما عداه، بقي الحاكم «موظّفاً»، الى أن كان الإغتيال الكبير عام 2005، بعد ذاك التاريخ، بدأ دور ذاك «الساحر» كما لقبه البعض، يتنامى مستفيداً من خبرات وعلاقات راكمها مع المسؤولين على مدى 12 عاماً، راسماً خطة مالية ومصرفية متميّزة نصبّته «عرّاب» إستقرار الليرة ومهندس السياسات المالية ما بعد الحرب الأهلية، التي أنعشت الاقتصاد واجتذبت ثقة المستثمرين.
عزز سلامة «هالته» ناسجاً حوله دائرة نفوذ إعلامية وسياسية محلية ودولية، وأكبر شبكة علاقات ضمت جميع الأحزاب والشخصيات السياسية، ليصبح معها الرجل الذي لا يمكن تخطيه، ولتتحول «الحاكمية» في ظله الى مركز محوري قائم في ذاته الى جانب الرئاسات الثلاث، وليلمع إسمه كمرشح لرئاسة الجمهورية، الطامح لأن يكون «الحاكم» الثاني بعد سركيس، الذي يصل الى قصر بعبدا.
الحاكم بأمر الليرة!
ولأن لبنان كان يمر بفترة صعبة سياسيًا وأمنيًا، كان إبقاء سلامة ، ودائماً في ظل تسويات رئاسية وحكومية ومصرفية، الحل الأوحد الذي اصطف وراءه الجميع للمحافظة على الإستقرار النقدي فيما كانت البلاد على شفير إنقسام حاد، ليستمر سلامة، على رغم كل المتغيّرات، الثابت الوحيد، ممسكاً بالحاكمية برضى كل الأطراف، بما في ذلك القوى الأمنية على اختلاف إنتماءاتها وتوجهاتها، والحجة دائماً، غيابه سيفقد الليرة الكثير من قيمتها ولا بديل عنه لإدارة اللعبة النقدية.
ويحضرنا في ذلك، ذاك الوثائقي للإعلامي جورج غانم عن مصرف لبنان بعنوان «الحاكم بأمر الليرة»، والذي يُعرض أمام كل مسافر على متن خطوط طيران الشرق الأوسط، وقد أوحى عنوان الوثائقي، لكثرة ما ربطت العملة باسم الحاكم الحالي، بأنه وصف لرياض سلامة وليس للمصرف المركزي، وأن سلامة هو الحاكم بأمره في «المركزي» كما في الليرة.. نعم الى أن كان التحوّل الكبير.
التحول الكبير.. جوائز غضب وتحقيقات
هي ثورة 17 تشرين الأول 2019 من هزّت عرش ذاك الساحر «الحاكم بالليرة»، ومذ ذاك، غضب شعبي ونقمة وشتائم وشتى أنواع الإتهامات تلاحق «الحاكم»، بالتواطؤ مع السياسيين والمصرفيين بتحويل وتهريب مبالغ ضخمة الى الخارج، وتحمِّله مسؤولية ما آلت إليه ودائع اللبنانيين وليرتهم، مطالبة بإقالته ومحاسبته.
لكن على رغم سيل الإنتقادات التي طالت أداءه، والتي تزامنت مع شبهات بالإختلاس وغسل الأموال والإثراء غير المشروع التي تلاحقه في لبنان والخارج، كل ذلك، لم يهزّه، بقي سلامة في منصبه لغاية اليوم، مستفيداً من حماية سياسية توفّرها له قوى رئيسية في البلاد، هي «حصانة المال والعلاقات الدولية وإمساكه بدفترِ حساباتِ كل مَن رافقهم في مراكز المسؤولية منذ 30 عاماً، ويحفظ سلامة ما لهم وما عليهم»، وفق ما يؤكد خبير اقتصادي، لكن الثابت، أن «حاكمية» سلامة قبل ثورة تشرين، ما عادت كما بعدها، فبعد ثلاثة عقود، انكسرت هالة «مهندس النظام المالي النموذجي» العبقري التي التصقت به منذ عام 1993… فما الذي تغيّر؟
الرجل الذي يُسجّل له أنه كان أول حاكم مصرف مركزي عربي يقرع له جرس إفتتاح بورصة نيويورك، والحائز منذ تعيينه بمنصبه، أوسمة شرف فرنسية وجوائز إقليمية ودولية تكاد لا تُحصى، بينها جائزة أفضل حاكم مصرف مركزي في العالم من مجلة «يورو موني» عام 2006 ثم من مجلة «بانكر» عام 2009، فتحت أزمة لبنان المالية والاقتصادية العيون على ثروته الكبيرة، لتشكل منذ قرابة عامين محور تحقيقات في لبنان وأوروبا، فيما هو يُصرّ على أنه جمعها من عمله السابق طيلة عقدين في مؤسسة «ميريل لينش» المالية العالمية، ومن إستثمارات في مجالات عدة بمعزل عن عمله على رأس حاكمية مصرف لبنان.
خطيئة سلامة وفق معارضيه، أنه وخلافاً لأسلافه، انتهج سياسة مضرّة بالنقد وبالنمو الاقتصادي من خلال تسهيل حصول الدولة على تمويل عجزها من دون قيود، وعدم رفضه لأي طلب من الطبقة السياسية، وحمايته للمصارف التي يُعد السياسيون من مساهميها الرئيسيين.
بغطاء سياسي، انخرط سلامة منذ العام 2016 في هندسات مالية هدفت إلى الحفاظ على قيمة الليرة ورفع إحتياطي المصرف المركزي ورسملة المصارف، لكن خبراء اقتصاديين يعتبرونها من بين الأسباب الرئيسية التي ساهمت في تعميق أزمة البلاد المالية.
الى ذلك، وعلى رغم المعلومات التي كانت تشير وتحذر قبل العام 2019 من أن الوضع الاقتصادي في لبنان خطير، كان سلامة يُصرّ على طمأنة اللبنانيين مرددًا جملته الشهيرة «الليرة بألف خير»، ليتبين بأنها بألف أزمة، وكانت الصدمة، إنهارت الليرة وانهارت معيشة اللبنانيين أمام الواقع المرير، بعدما خسروا خلال أيام ودائعهم ووضعت المصارف إجراءات على سحب أموالهم بالدولار.
والنتيجة، وبعد أكثر من ثلاث سنوات على انهيار صنّفه البنك الدولي من بين الأسوأ في العالم منذ العام 1850، فقدت العملة المحلية أكثر من 98 في المئة من قيمتها أمام الدولار، لتساوي اليوم أكبر عملة لبنانية أقل من أصغر عملة أميركية.
نعم انهارت الليرة، وانهارت حال اللبنانيين، وسقطت الثقة بـ»المركزي» بكل سياساته وتعاميمه «التخديرية».
ماذا بعد رياض سلامة؟
السؤال الذي يُطرح: أي انتحاري جديد سيرث حاكمية سلامة الرابعة ومسك ختامها «الإنهيار الكبير»؟
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]