
قال العونيّون في الميليشيات وفي السلاح غير الشرعي، “لبناني” كان ام “غير لبناني”، ما لَم يَقُلْهُ مالك في الخمرة، فاعتقد اللبنانيون لوهلة لم تَطُل، أن المبدئية هي منهاجهم والنزاهة هي سياستهم. كما ظنّوا بأن ثبات هؤلاء في موقفهم وقولهم في السلاح أي سلاح، وفي الميليشيات أي ميليشيا، هو كثبات موقف وقول الإمام مالك بن أنس في تحريم الخمرة. كما كانوا آمنوا بأن هجوم العونيّين على إحدى “الميليشيات” المسلحة لا بدّ ان ينسحبَ هجوماً على كل الميليشيات في كل الأمكنة والأزمنة… وللأسف فإنّ اعتقاد اللبنانيين وظنّهم وإيمانهم قد خاب، بفعل التجربة والوقائع والنتائج وليس آخرها ما “أفتى” به رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل عن السلاح… والذي بانَ فيه أن “بيت قصيد” العونيين كان وسيبقى السلطة والمواقع فيها والكرسي والاستمرار عليها.
لقد تبدّل الخطاب العوني حيال “الميليشيات” وتغيّر في الاستعمال والاستغلال أو في الإلغاء وفقاً للمصلحة الشخصية وسعياً للكرسي.
فنقرأ أن ميشال عون الضابط، كان لفترة طويلة في خدمة الجبهة اللبنانية وأحزابها، علماً أن رئيس “التيار الوطني الحر”، اعتبر “هذه الخدمة” معصية يُخجل منها، إذ ادّعى في 18 أيار من العام 2019 بما يلي، “نحن جئنا من الجيش وليس الميليشيات”… وبعد وصول عون لقيادة الجيش كتب الشق العسكري من الاتفاق الثلاثي بطلب من إيلي حبيقة، وبعد ترؤسه لحكومته، مرّ بطلعات ونزلات واقتراب وابتعاد بعلاقاته مع “القوات اللبنانية” ومع الأحزاب المسلحّة الموالية لسوريا، ومع منظمة التحرير الفلسطينية، وتوثيقاً لتلك العلاقات مع حَمَلة “السلاح غير الشرعي” من لبنانيين وغير لبنانيين نقرأ:
*في 8 كانون الاول من العام 1989 رأى رئيس الحكومة الانتقالية العماد ميشال عون، أن القيمين على قيادة “القوات اللبنانية”، لم يغيّروا أهدافهم كما يعتقد البعض، وأن شهداء “القوات اللبنانية” الذين سقطوا في ساحة الشرف دفاعاً عن سيادة واستقلال لبنان ووحدة الصف في الحرية وفي كرامة الوطن لا يُحصَون”.
كان ذلك أثناء خوض عون معركة “تنفيسية” مع الجيش السوري مستعيناً بالسلاح العراقي والدعم الفلسطيني، اذ صرّح ياسر عرفات في 2 شباط من العام 1989 بعد لقائه ميشال عون في تونس، “البندقية الفلسطينية بخدمة الجنرال عون”.
ليعود بعدها لينقض على “القوات اللبنانية” رافعاً ًًًشعار لا بندقية غير بندقية الجيش اللنباني”. وفي حربه الالغائية لم يجد حرجاً البتّة في أن يأخذ سلاحاً وذخيرة ومحروقات من ميليشيات الاحتلال السوري، كما أدخل عناصر مسلحة من الحزب السوري القومي الإجتماعي والبعث و”الوعد” التابع لحبيقة الى مناطق نفوذه في المتنين الشمالي والجنوبي.
في 6 شباط من العام 2006، قال حسن نصرالله، “لقاؤنا اليوم مع سيادة العماد عون هو لقاء منطلِق منذ وقت طويل”… ليكشف النائب السابق في “الحزب” نواف الموسوي عن “الوقت الطويل” للتواصل بين الحزب المسلح وميشال عون، في مقابلة في 24 تموز من العام 2018 على الـ”او.تي.في” إذ قال، “ليس مفاجأة إن أفصحت أنّ تواصلنا مع العماد عون لم ينقطع منذ العام 1989”.
مذيعة قناة ال “أو تي في”، “بلى إنها مفاجأة”.
هنا من حقنا ان نستنتج أن ما كان يردّده ميشال عون في فرنسا فترة نفيه وحتى عودته في العام 2005 في سلاح الحزب “المأجور لسوريا وإيران” لم يكن بثبات قول الإمام مالك بن أنس في الخمرة، بل كان خدعةً تصيبُ العونيين قبل بقية اللبنانيين.
ومن نماذج ما كان يقوله عن سلاح الحزب “غير اللبناني”:
في ٢٥ نيسان من العام ١٩٩٦، نشرت صحيفة “النهار” مقالاً كتبه عون في صحيفة “لو موند” يقول فيه، “إنّ الجميع يعلم، أنّ سوريا تقدّم السّلاح والذخيرة الى الحزب الذي يتحدّى كلّ يوم سلطة الدولة ويشكل نوعاً من الإحتلال الأجنبي، والنظريّة التي تدّعي أنّ هذه الميليشيا تركّز مقاومتها ضدّ الإحتلال، مرفوضة”
في 18 أيلول من العام 2003، قال عون أمام اللجنة الفرعية للعلاقات الدولية في مجلس النواب الأميركي:
“…انّه لأمر معقول جداً أن يترك النّظام السّوري وراءه في لبنان بعد انسحابه منه، العديد من أدواته للإرهاب والتدمير، وأيضاً العديد من أدواته العسكريّة والمخابراتيّة. بناءً عليه، إنّه أمر إلزامي وملحّ، أن يترافق الإنسحاب السّوري مع تجريد كامل من السّلاح لكل العناصر المسلّحة، فالقوّات المسلّحة اللبنانيّة الشرعيّة بإمكانها فقط أن تؤتمن على توفير الأمن للمواطنيين اللبنانيّين… لا يمكننا بعقلانيّة ومنطق، الفصل بين النّظام السّوري والإرهاب. فسوريا تومّن الملاذ لعدد كبير من المنظّمات الإرهابيّة، وهي توجِّه أعمالهم، وتستعمل لبنان كموقع أساسي لتدريبهم ولعملياتهم”.
ليعود بعد “تواصله الطويل” مع الحزب ليوقّع في 6 شباط من العام 2006 في البند العاشر من ورقة تفاهمه معه، “ان السلاح يبقى وسيلة شريفة مقدّسة”… والمقدّس هنا لا يُمَسّ.
كما وأن عون كان قد توّجَ “حربه” على سلاح الميليشيات في ورقة وضع فيها تصوره للإستراتيجية الدفاعية وذلك في 5 تشرين الثاني من العام 2008، إذ حملت عنوان “الشعب المقاوم” يشرح فيها كيفية “تعميم سرايا المقاومة” او “ميليشيا” تابعة للحزب في القرى والبلدات اللبنانية، أي “سلاح لبناني” بأمرة الحزب المموّل من ايران، لكون، “سلاح الحزب لا يتناقض ومشروع الدولة وهو جزء أساسي من الدفاع عن لبنان”، على ما صرّح به عون في 11 شباط من العام 2017”.
ونختم بما قاله جبران باسيل في 11 نيسان من العام 2023، “لا نقبل إلّا بالسلاح اللبناني على أرضنا في يد اللبنانيين”، ليشرح ويكمل، “الجيش اللبناني والمقاومة أثبتا أنهما قادران على تحرير لبنان وحمايته”… كما سأل، “لماذ نقبل بأن تُطلق صواريخ من أرضنا مصدرها غير لبناني”، ليأتيه ردّان، الأول: بنموذجيّ موقفي عون المذكورَين أعلاه، والثاني بموقف لحسن نصرالله شارحاً لباسيل في 24 حزيران من العام 2016، أن “موازنة الحزب ومصاريفه من الجمهورية الاسلامية في ايران. نحن أكلنا وشربنا ورواتبنا وسلاحنا كله من الجمهورية الإسلامية في إيران ولا احد له علاقة بهذا الموضوع، ومالنا المقرر لنا يصل إلينا كما تصل إلينا صواريخنا التي نهدد بها إسرائيل”.
إذن انَّ ما قاله جبران باسيل في موضوع “السلاح اللبناني”، ما هو إلا تملّقاً زائفاً بائساً وتسلّقاً عبثياً يائساً.
.jpg)