مع احتدام تعقيدات الاستحقاقات الداخلية بدءاً من انتخاب رئيس للجمهورية وما يُطبخ داخلياً ودولياً من تسويات لملء فراغ قصر بعبدا، مروراً بتفعيل السلطة التنفيذية عبر تشكيل حكومة جديدة تخرج من قمقم الشلل الذي يصيب مفاصلها، وصولاً إلى تعطيل الانتخابات البلدية، تتسارع الهجمات القضائية على القطاع المصرفي بعدما انطلقت من تقديم الدعاوى من قِبَل مودِعين كبار في الخارج وآخرين في الداخل ضدّ بعض المصارف.
ووصلت إلى الادّعاء على مصرفيين ووضعهم في الإقامة الجبرية عبر حجز جواز سفرهم، الأمر الذي تمثّل أخيراً في قضية رئيس مجلس الإدارة المدير العام لبنك “الموارد” مروان خير الدين الذي أوقفته السلطة القضائية الفرنسية وسحبت منه جواز سفره. حادثة سبقت التداول لاحقاً بأسماء مصرفيين كبار على لائحة القضاء الفرنسي، الأمر الذي أثار الارتياب من أن تكرّ هذه السبحة في الأيام المقبلة وتتدحرج كرة التوقيفات عبر المطار الفرنسي، في ظل غياب كلي لأي تحرّك رسمي من المفترض أن تقوم به الدولة اللبنانية.
هذه الخطوة القضائية المرجّح أن تكون تصعيدية إن لم تقابلها أي معالجة لبنانية فاعلة، تتزامن مع ضغوط ولو كانت أقل حدّة لكنها مساوية لها في منسوب القلق والخوف على المصير، تظهّرت في الفترة الأخيرة مع لجوء عدد كبير من المصارف إلى إقفال عدد من فروعها بهدف عصر الإنفاق للتخفيف من أكلاف التشغيل ومتطلباته، والطلب من الموظفين العاملين فيها عدم الحضور إلى العمل والتزامهم المنازل، مُقابل دفع الرواتب، لكن من دون بدل النقل، مع الاستمرار في تأمين التغطية الصحيّة ونفقات المدارس لأولادهم.
هذه التطورات تثير المخاوف من إفلاس المصارف التي تجد نفسها أمام تحدّيين اثنين “قضائي” محلي وخارجي، و”مادي” في ظل غياب أي استثمار يُخرج القطاع من الرتابة التي طبعت نشاطه الذي بات يقتصر على تأمين السحوبات لعملائه وقبض الأقساط الشهرية المستحقة على أصحاب القروض. وهذا التحديان معطوفان على استحالة إرجاع الودائع لأصحابها في المديَين القريب والمتوسط مع فقدان السيولة المصرفية بالدولار النقدي، وانتظار “تنقيطه” من مصرف لبنان تنفيذاً لتعاميمه.
وقائع تدفع إلى التساؤل عما إذا كانت البلاد تتجه فعلاً نحو إقفال المصارف ودخول الودائع في نفق لا أحد يعلم أين ينتهي؟! خصوصاً أن قانون إعادة هيكلتها لا يزال في مجلس النواب، وصندوق النقد الدولي متمسّك به لاستكمال شروطه قبل أن يُفرج عن أمواله الموعودة… فيما سيف القضاء مصلتاً على رقابها.
مصدر مصرفي يعتبر في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني أن وَهن القطاع المصرفي لم يُسقطه، بل إن صموده “على علله” جعله علامة فارقة أثارها أخيراً انهيار أكبر المصارف العالمية بين ليلة وضحاها على الرغم من دعمها من السلطات الحكومية وغيرها، فيما السلطة السياسية بمختلف مكوّناتها تقضّ مضاجع القطاع المصرفي بالاتهامات لتحميلها كامل المسؤولية عما حصل، نافضة يديها من أي مسؤولية للدولة التي عاثت بالاحتياطي الإلزامي لمصرف لبنان لتغطية هدرها وفساد إداراتها، علماً أن هذا الاحتياطي من أموال المصارف المودَعة لدى البنك المركزي، والتي هي في نهاية الأمر أموال المودِعين.
ويقول، المصارف لا تتهرّب من تحمّل مسؤوليّتها اتجاه المودِعين والموظفين، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة هذه الأزمة الحادة، بل على الدولة ومصرف لبنان مشاركتها المسؤولية هذه والخروج بالحلول الناجعة لإنقاذ أموال المودِعين والقطاع المصرفي على السواء. فالتلكؤ في انتخاب رئيس للجمهورية والتصويب المستمر على المصارف، يهشّل الاستثمار في القطاع ويشل نشاطه ويقضي على أي أمل في تأمين إيرادات تعزّز موجوداتها لتنهض من جديد وتُعيد الامور إلى طبيعتها.
ويضيف، كل هذا مقابل التهويل باستقدام خمسة مصارف من الخارج لتحتل وحدها الساحة المصرفية في لبنان، وهنا نسأل أين هي تلك المصارف؟ أي مستثمر سيدخل لبنان من البوابة المصرفية في ظل بيئة موبوءة سياسياً ومنكوبة اجتماعياً ودولة فارغة من مؤسساتها الدستورية؟
ويشرح أن المصارف تحارب باللحم الحيّ تفادياً للإقفال، ولا تزال تقاوم في انتظار أن تبادر الدولة إلى إيجاد الحلول المساعدة والداعمة للخروج من هذه الدوامة، وإلا ليس المصارف وحدها ستقفل أبوابها معلنةً الإفلاس الكامل، بل كل المؤسسات الاقتصادية والمالية على الإطلاق، لأن الوضع الذي تمرّ به البلاد حالياً، مفتوح على كل الاحتمالات الساخنة التي تشي بمزيد من الانهيار إن لم يبادر أصحاب القرار السياسيون إلى انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة وتجنيب البلاد فراغاً في سدة حاكمية مصرف لبنان، لتستعيد المصارف دورها وبالتالي تُعيد لكل مودِع حقه.
وعن صرخة نقابة موظفي المصارف الأخيرة، يؤكد المصدر، لن تكون هناك حالات صرف للموظفين، إنما تدابير احترازية تأميناً لديمومة رواتبهم ومخصّصاتهم، كي لا نقع في المحظور.
ويوضح أن “عدداً كبيراً من الموظفين العاملين في الفروع المصرفية ولا سيما في قسم قروض السيارات والسكن، لم تعد لديهم أي مهام يقومون بها حيث التسليف متوقف منذ ثلاث سنوات. ومن البديهي أن يدفع هذا الأمر المصارف إلى إقفال عدد كبير من فروعها، والطلب من الموظفين العاملين فيها عدم الحضور إلى العمل والتزامهم المنازل، مُقابل دفع الرواتب ولكن من دون بدل النقل، مع الاستمرار في تأمين التغطية الصحيّة للموظفين ونفقات الأقساط المدرسيّة لأولادهم”.
في انتظار طمأنة الموظفين إلى ديمومة عملهم، والمودِعين إلى تحصيل أموالهم، تبقى المصارف عالقة على حبال الضغوط السياسية ـ القضائية التي تستلزم إحداث خرق كبير في جدار الفراغ الرئاسي، علّه يحمل أملاً في الخروج من هذه الدوامة المظلمة.